(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً) لما نهى الله عز وجل عن أذية الرسول صلى الله عليه وسلم نهى اهل الايمان بقوله: ان كنتم حقا من صدقوا الله واتبعوا رسوله فلا تؤذوا رسول الله بقول او فعل، ولا تكونوا امثال الذين آذوا نبي الله موسى فبرأه الله مما قالوا فيه من الكذب والزور، وكان عند الله وجيها اي له مكانة كبيرة وعليه مكرمة من عند الله، فكان عند الله عظيم القدر والجاه، ومن وجاهة موسى انه اذا سأل الله شيئا اعطاه له، ومع انه من اولي العزم الا ان اهله آذوه، وان موسى حيي ستير مدحه الله بالحياء والستر ونحن اولى ان يكون الحياء والستر ملازمين لنا.
قول الحق
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)، يا ايها الذين صدقوا الله واتبعوا رسوله خافوا الله ان تعصوه، فتستحقوا بذلك العقاب، وقولوا في جميع احوالكم وشؤونكم قولا مستقيما موافقا للصواب خاليا من الكذب والباطل، والسداد لفظة تستخدم في رماية السهم، وفي اللفظة ان هناك فكرا مسبقا قبل انطلاق السهم، فاوزنوا القول بميزان الشرع لا بميزان العرف، واحذروا ان يكون لسانكم عدوكم، فقول الحق يوفق للعمل الصالح، ومن اراد قول الحق فليسبقه بتقوى الله، فقول الحق من اسباب غفران الذنوب.
ثمرة التقوى
(يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)، هذه ثمرة تقوى الله تعالى، وما كان من امركم صلاح وخير كانت حسناتكم في ازدياد ودرجاتكم في ارتقاء (ويغفر لكم ذنوبكم) كفيت ما كان من امر غدك، وكفيت ما كان من امر امسك، فيا ايها الذين آمنوا اذا اتقيتم الله وقلتم قولا سديدا اصلح الله لكم اعمالكم وغفر ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فيما امر ونهى فقد فاز بالكرامة العظمى في الدنيا والآخرة، (ومن يطع الله ورسوله) بشارة من العظيم طاعة الله ورسوله بدايتها خير ونهايتها فوز عظيم، وهذا هو النجاح الحقيقي وهو النجاة والمنزلة الكبرى.
مهمة التكليف
(إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)، هذه مهمة التكليف التي ائتمن الله عليها المكلفين من امتثال الاوامر واجتناب النواهي على السموات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها وخفن الا يقمن بأدائها، وحملها الانسان والتزم بها على ضعفه، انه كان شديد الظلم والجهل لنفسه ويعتبر الظلم والجهل اصل كل المعاصي ونجاة الانسان منها بقدر ما فيه من العلم والتقوى، والظلم لغة الانتقاص من الشيء والجهل والعمل بلا علم، وهنا يظهر الفرق بين الانسان والامانة فأخبرنا الله تعالى ان الامانة تكاليف، امانة عبادة.
العذاب والمغفرة
(لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)، ليعذب الله المنافقين على تضييع الامانة والذين يظهرون الاسلام ويخفون الكفر، والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بستر ذنوبهم وترك عقابهم، (وكان الله غفورا رحيما) غفورا للتائبين من عباده ورحيما رحمة خاصة لأهل الايمان، فلله الحمد والمنّة.
وقد ختم الله عز وجل هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين الدالين على تمام مغفرة الله وسعة رحمته بعموم جوده مع ان المحكوم عليهم كثير منهم لم يستحقوا المغفرة والرحمة لنفاقهم وشركهم.
وفعل «كان» له دلالته الخاصة بمعنى الاستمرارية اي لا يزال ولم يزل (وكان الله غفورا رحيما).
الحجر يفر بثوب موسى عليه السلام
كان بنو اسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم الى عورة بعض دون حياء، وكان موسى عليه السلام رجلا حييا ستيرا لا يُرى من جلده شيء، فكان اشد حياء من العذراء في خدرها، لذا كان يغتسل دائما وحده حتى لا يراه احد، فقال بنو اسرائيل: ان موسى لا يستتر هذا التستر الا من عيب في جلده، ولكن الله عز وجل اراد ان يبرئه مما قذفوه به، فخلا يوما وحده ليغتسل كما هي عادته فخلع ثوبه ووضعه على حجر ثم شرع في الاغتسال، وما ان فرغ من غسله وتوجه ناحية الحجر ليأخذ ثوبه واذا بالحجر يعدو بثوبه ويفر به، وعندما اذهلت المفاجأة موسى عليه السلام اخذ يعدو وراء الحجر ويناديه قائلا: ثوبي يا حجر.. ثوبي يا حجر، والحجر يعدو بالثوب حتى اذا بلغ الحجر وجد جمعا غفيرا من بني اسرائيل ينظرون اليه وهو عار على احسن ما خلق الله، فبرأه الله مما قالوا، عندها اخذ موسى عليه السلام ثيابه ولبسها ثم اخذ عصاه واقبل على الحجر يؤدبه وما تركه حتى احدث به ثلاث او اربع او خمس ندبات.
فضل ذكر الله تعالى
٭ ذكر الله تعالى شفاء ورحمة للمؤمنين (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).
٭ الذكر غراس الجنة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة».
٭ الذكر خير الاعمال وسبب لرفع البلاء (فلولا انه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون).
٭ الذكر سبب في جلب الخيرات (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً).
٭ الذكر يعين على النشاط ويذهب وسواس الشيطان وسبب في تفريج الكرب (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).
٭ الذكر سبب في حفظ الذرية من الشيطان وسبب في جلب المغفرة والأجر العظيم (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).
٭ ذكر الله تعالى اكبر الأعمال (وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).
من أنواع الذكر
التسبيح، التحميد، التهليل، التكبير، الحوقلة (لا حول ولا قوة الا بالله)، الاستغفار، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ألقيت المحاضرة في مسجد
فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء