Note: English translation is not 100% accurate
رسالة المرجع العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله عبر «الأنباء» لمناسبة شهر رمضان المبارك وعيد الفطر السعيد
12 أكتوبر 2007
المصدر : الانباء
يمثل عيد الفطر في المفهوم الإسلامي الزمن الذي تتجمع فيه كل خلاصات جهد المؤمن، العبادي والتأملي والحركي، الذي بذله في شهر رمضان، ما يعني ان العيد في الوقت الذي يمثل فيه الفرح الانساني العفوي الملتقي بالرحمة المضاعفة من الله عز وجل، يمثل أعلى درجات المسؤولية، حيث ينطلق الإنسان منه ليحرّك نتائج التقوى في كل مجالات الحياة، ليكون الله تعالى حاضرا في كل فكر يختاره، وفي كل موقف تأييد أو رفض، وفي كل حركة فاعلة أو منفعلة، في الاجتماع أو الاقتصاد أو الثقافة أو السياسة أو الأمن أو ما الى ذلك مما يقف فيه الإنسان ليختار بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، بين الصلاح والفساد، بين خط الله وخط الشيطان.
وبذلك يبتعد العيد عن حالة الاستقالة من المسؤولية، بما تعنيه الاستقالة من الاستغراق في أجواء العبث اللاهي الذي ينحرف بتوازن الشخصية، ليعيش الإنسان فرصة للفرح الروحي، الذي قد يتحرك في أجواء العبث البريء والمتوازن الذي يلتقي فيه بالله في سمو الروح، وبالقيم في حركة الحياة، وبالعدل في ميزان الموقف.
اننا في هذا الموسم المبارك، ندعو المسلمين جميعا الى الاستفادة من المخزون الروحي الذي عاشوه في شهر رمضان، ليحركوه في كل قضاياهم من خلال ارادتهم الصلبة التي أكدها الصوم والصبر، لأن كل العبادات في الاسلام يُراد لها ان تكون حركة غنى فاعل في صوغ الحياة على الصورة التي يحبها الله ويرضاها، فلا يمكن ان يكون المسلم صائما بحق اذا سار مع الباطل، أو تحرك مع الظلم، أو صادم القيم والأخلاق.
ونحن في هذا المجال، نرى ان كثيرا من المواقف باتت تتحرك في وجهة منافرة مع خط العبادة في الاسلام، فليس هناك ما يمنع المسلم المصلي ان يتحرك في خط الفحشاء والمنكر، مع ان الصلاة شُرعت لتنهى عنهما، وليس هناك ما يمنع ان يصوم الانسان ولا يكون للتقوى في حياته أثر ولا عين، مع ان هدف الصوم تقوى الله وليس هناك ما يمنع من ان ينطلق الانسان في حجه في رحلة الوحدة الانسانية الى الله، وينطلق في الوقت نفسه لينشر الفتنة والفرقة بين المسلمين، وليس هناك ما يمنع من ان ينخرط المسلم في خطط المستكبرين ضد المستضعفين، والكافرين ضد من يتحركون في خط الاستقامة في الحياة.
ان رسالة الصوم تمثل الحركة الذاتية لصنع الإرادة في الذات، ولتجتمع الإرادات على مستوى الأمة لتصنع للأمة عزّتها وكرامتها، ولذلك فلا يمكننا ان نفصل الصوم بمعناه العبادي عن الصوم بمعناه السياسي الذي يمثل حركة في المسؤولية السياسية التي تحمي الأمة ووحدتها وكيانها العام، كما ان العيد يمثل مناسبة للاحتفال بالقيام بهذه المسؤولية وحمل أعبائها على جميع المستويات.
ومن هنا، فإننا نريد للمسلمين أينما كانوا ان يتحسسوا مسؤولياتهم في العمل المستمر لصون وحدتهم الداخلية وعدم الانخراط في أي مشروع من شأنه ان يُحدث خللا في العلاقات الداخلية بين السُنة والشيعة أو بين الفئات المتعددة في العالم الاسلامي.
إنني في الوقت الذي أتطلع فيه الى شبابنا المؤمن الواعي ان يعيش قضاياه في الأمة كلها، وان يتطلع بروح الوعي والانفتاح الى الآخر، سواء أكان هذا الآخر يمثل اتجاها سياسيا أو مذهبيا أو عرقيا يختلف عنه.. إنني - في الوقت عينه - أشدد على الجميع ان يحترموا كياناتهم وأقطارهم بما يعزز حرياتها، وبصيغ علاقات وطنية انسانية تعزز تلاحم المذاهب والطوائف والأطياف الدينية والسياسية المتعددة.
إننا أمام هذه الهجمة الشرسة التي تقودها دوائر إعلامية وسياسية وأمنية لتشويه صورة الاسلام في العالم، نؤكد على المسلمين ان يتحركوا بشخصيتهم الاسلامية قبل شخصيتهم المذهبية وأن ينطلقوا في خط حماية الاسلام كله لا في خط حماية كياناتهم الذاتية فحسب، خصوصا ان دوائر الاستكبار تعمل لتدمير الاسلام وتشويه صورته، هذا التشويه الذي ساهمت به جهات اسلامية انخرطت في حركة العنف والتكفير فأصبحت تخدم الآخرين من حيث تدري أو لا تدري.
اننا مع اطلالة العيد نريد للمسلمين، وخصوصا في الكويت، أن يكونوا كالبنيان المرصوص وان يستمعوا الى وصايا نبيهم ( صلى الله عليه وسلم ) في أن يمثلوا الجسد الواحد الذي اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وان ينخرطوا في ورشة اعمار البلد وانعاش اقتصادهم وتحمّل مسؤولياتهم حيال اخوتهم من العرب والمسلمين، لتشكل موقعا أساسيا للوحدة وموضعا بارزا للتضامن والوئام، فنحفظ أمتنا ونعمل بوصايا نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ونرضي ربّنا (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
والحمد لله رب العالمين
محمد حسين فضل اللهالصفحة الأولى في ملف ( PDF )