التاريخ يؤكد والأمم تشهد أن هناك شموسا تسطع وأقمارا تنتحر، فعلى مر الزمان وتعاقب الحضارات تجد شموسا تسطع في سماء المجد وتتصدر صفحات التاريخ المشرقة، وهناك أقمار تنتحر من أعلى القمم وتسقط من عيون كل من يتبعها، والأقمار تعني كل القادة والرعاة والمسؤولين، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
ومن الشموس الساطعة التي سطرت تاريخها بأحرف من نور د.عبدالرحمن السميط، قلب أفريقيا النابض وأحد صروح الإنسانية، عمل بصمت وحرص على توصيل رسالة الإسلام بخلقه الرفيع وحسن تعامله مع الآخرين، فكان نموذجا واقعيا في الدعوة إلى الإسلام بالرفق والرحمة لا بالغلظة والشدة، كرس حياته كلها لخدمة الإنسانية ونشر الدعوة المحمدية وسد ثغرة من ثغرات الأمة الإسلامية ومن أبرز مناقبه «الإخلاص والتركيز في العمل» وهذا هو سر نجاحه وتميزه ولم يعمل طوال حياته لبروز إعلامي أو تكسب سياسي، فالمناصب لا تبهره والكراسي لا تستهويه، حمل هم نشر كلمة التوحيد ونصرة المستضعفين وإطعام الجائعين وإنقاذ المساكين وتطبيب المرضى والمصابين، رسالة عظيمة ومسيرة طويلة تحتاج إلى رجل بأمة وأمة في رجل أمثال د.عبدالرحمن السميط الذي تبنى قضايا القارة السمراء وقدم لها الغالي والنفيس من وقته وصحته وماله.
غربت شمس أفريقيا في يوم الخميس 15 أغسطس 2013 حين ترجل فارس العمل الخيري د.عبدالرحمن السميط عن صهوة جواده ورحل إلى جوار ربه بعد معاناة طويلة مع المرض، حيث خلف وراءه سيرة حافلة بالعطاء والإنجاز وتراثا خيريا سيظل نبراسا للإنسانية وللأجيال المقبلة، ويعتبر د.السميط من الشخصيات الفريدة التقية، النقية النادر وجودها في هذا الزمان الذي كثرت فيه المصالح والمفاسد وغابت فيه القيم والمبادئ.
ستظل مجاهل أفريقيا وأدغالها وبقاعها تشهد لفقيد الأمة فقد برع هذا الصرح الشامخ في زرع البسمة على وجوه الملايين من الفقراء والمساكين وعلى مدى 30 عاما من العمل في نشر الإسلام، حيث أسلم على يديه أكثر من 11 مليون شخص في القارة السمراء.
رحم الله شموسا سطعت في سماء الإنسانية وهامات عالية أخجلت التاريخ، حيث توارت حروفه خجلا من أنهار متدفقة في العطاء والتضحيات.
وهناك على بقعة من بقاع القارة السمراء تحديدا في جنوب أفريقيا سطعت شمس من شموس الحرية الزعيم المناضل الراحل نيلسون مانديلا وهو رمز من رموز الحرية والديموقراطية، حفر اسمه على صفحات التاريخ وأجبر العالم على احترام فكره ومبادئه ونضاله بأخلاقه الإنسانية السامية.
ضحى بحريته من أجل الآخرين، وناضل من أجل نشر قيم التسامح والتصالح في ذروة الخلافات واحتدام النزاعات فقد كرس حياته لخدمة شعبه ومحاربة الظلم، فهو أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا وهو الذي كافح بكل اقتدار لإنهاء التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.
ناضل من أجل أن تهتف الحناجر السوداء بالنشيد الوطني لبلادها ومن أجل أن تتحرر من عبودية الرجل الأبيض وطغيانه.
نيلسون مانديلا ثوري سياسي مناضل من الطراز الأول وشخصية فريدة أبهر العالم بخلقه الرفيع وإنسانيته المتدفقة لم يضمر ضغينة لأحد ولم تخلق سنوات السجن الطويلة منه إنسانا حاقدا منتقما بل على العكس من ذلك فقد وضع يده بيد سجانيه وعقد العزم على بناء جنوب أفريقيا جديدة تقوم على المصالحة والحوار والتعايش السلمي، شموس سطعت في تاريخ النضال وضربت أروع الملاحم في التضحية والصمود.
مثلما الشموس تسطع هناك أقمار تنتحر في مزابل التاريخ وتقذف على هامش الحياة، حينما تنسلخ من إنسانيتها وتلقي بمبادئها على قارعة الطريق وحين تقايض على قيمها وأخلاقها مقابل تكسب مادي أو منصب أو حتى شهرة إعلامية، فسقوط الأخلاق يعني سقوط الحضارات ويتبعه سقوط الأمم.
فلنكن شموسا ساطعة وليس أقمارا منتحرة، ولنؤمن بقضايانا ولنطرز أحلامنا بخيوط الإصرار والعزيمة لتصبح واقعا جميلا وتاريخا مجيدا ولننقش معا شفرة النجاح والفلاح في صدورنا وهي الإخلاص والتركيز في العمل.
[email protected]
@ebtisam_aloun