الآن بات واضحا بما لا يدع مجالا للشك ان ثورة الشباب المصري الذي ناضل من اجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني «تسرق» جهارا نهارا، وان ثمرة نضاله وكفاحه ستسقط في أيدي جماعة الإخوان، وهو ما سبق ان حذرنا منه في مقالاتنا السابقة، وكان آخرها مقال الاسبوع الماضي الذي تحدث عن فكرة ساقها المفكر العراقي فايق الشيخ علي، تدعو الثوار ـ في البلدان العربية ـ إلى إنشاء أحزاب سماها «أحزاب الشعب» تحمي الثورات العربية من سراقها.
الآن كشفت جماعة الإخوان المسلمين المصرية عن توجه جديد لها يتمثل في خروج حزب سياسي لأول مرة من رحم هذه الجماعة الدينية منذ عام 1928، بحيث تبقى الجماعة هي الكيان الأساسي والمحرك الأساسي للحزب، ولكنه يقوم بكل الألاعيب والحيل السياسية التي يستطيع بها ان يفوز في الانتخابات ويحشد الجماهير ويواجه الأحزاب الأخرى بكل ما سيمثله من مرجعية دينية براقة وجاذبة للبسطاء والعامة، وهم غالبية الشعب المصري المتدين، وبهذا يحصدون أغلبية المقاعد الانتخابية في ظل غياب المنافسة الحقيقية من اي تيارات سياسية قوية، بعد حل الحزب الوطني الذي كان يحكم في مصر، وتشرذم باقي الأحزاب، وعدم وجود حزب يمثل الشباب الذين قاموا بالثورة (حتى الآن)، اذ يتعذر عليهم الحصول على عضوية 5 آلاف شخص يدفعون اشتراك عضوية يبلغ 400 جنيه لكل عضو، وليست هذه المشكلة الوحيدة التي تواجه شبابا حينما قام بالثورة ربما لم يكن يعمل، وليس لديه وظيفة او دخل، وليست هذه العقبة الوحيدة امام تمويل الأحزاب الجديدة، وإنما هناك ايضا قضية الوصول الى الناخبين والإعلان عن برامج وأفكار الحزب الجديد والذي يحتاج الى آليات ووسائل إعلامية ودعائية لا تتوافر إلا للقوى الكبرى الموجودة على الساحة، وهي جماعة الإخوان والحزب الوطني المنحل الذي ربما سيتجمع حول طلعت السادات الزعيم الجديد للحزب الذي حمل اسم مصر القومي، بعد ان كان الحزب الوطني قد اختاره رئيسا لكن تم حله.
فضلا عن هذا فإن الفترة المتبقية أمام الانتخابات البرلمانية قصيرة جدا ولا تكفي لاستعداد الشباب ولا للوصول الى الناخبين، وطرح أفكارهم وحشد الأنصار، خاصة ان الانتخابات البرلمانية ستسبق الانتخابات الرئاسية، ما يعني ان الثورة لن تسرق من الشباب المناضل فقط، ولكن من المجتمع المصري كله، الذي خرج بملايينه يؤيد الثوار أملا في دولة حرة، مدنية، تحترم فيها حقوق المواطنة ولا تمييز فيها بين مواطن وآخر على أساس الدين أو العقيدة أو الجنس أو ما شابه ذلك.
إذن الخطر المحدق بثورة مصر اليوم هو ان يأتي مجلس الشعب القادم بهذه التركيبة الإخوانية الدينية، التي ستستخدم الآن الانتخابات والوسائل الديموقراطية للانقضاض على السلطة، وباسم الديموقراطية ستحصل على أغلبية مريحة تتيح لها ان تلغي الديموقراطية لتأخذ بالشورى، وبدلا من ان يكون البرلمان برلمانا للشعب، ولحرية الرأي، يكون برلمانا لتشريعات الحلال والحرام، والاختلاط والنقاب ومنع السياحة، ومنع كل أوجه الدولة العصرية باعتبارها كلها أوجها محرمة، سببت غضب الله على مصر في السنوات الماضية!
وهكذا تسقط قيادة الدولة في أيدي الجماعات الدينية: الإخوان، وكذلك السلف الذين عادوا بقوة لواجهة الصورة، وكذلك الجماعة الإسلامية التي بدأ رموزها يخرجون من غياهب الماضي الآن، وفي ظل هذا كله لا يمكن ان تكون نتائج الانتخابات الرئاسية التي ستلي الانتخابات البرلمانية بأفضل حالا، فالرئيس القادم لمصر لن يستطيع ان يصل الى هذا المنصب الا اذا تحالف مع التيارات الدينية باعتبارها القوة الأساسية المنظمة حاليا، ومعنى هذا التحالف ان الرئيس المقبل سيقدم تنازلات جوهرية لهذه التيارات، الى حد انها قد تجعل منه رئيسا مع ايقاف التنفيذ او في احسن الاحوال رئيسا شرفيا، او تنفيذيا فقط!
هكذا تبدو صورة المستقبل ضبابية ومظلمة في مصر المحروسة، ليس لشيء إلا لأن الجماعات الدينية تتخلى عن أهدافها الأساسية في الدعوة الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقرر ان تدعو الى الله بوسائل أخرى، بعضها بالسيف وبعضها بالسلاح، وبعضها بالإرهاب الفكري، على أساس تصنيف الناس الى حزبين: حزب الله، وحزب الشيطان، وحينما ينزل الإخوان المسلمون الى الشارع ليخاطبوا المسلمين فإنهم يقولون لهم: قال الله وقال الرسول، وهكذا يصبح فورا لكلامهم قيمة دينية مقدسة، لا يستطيع البسطاء رفضها، او التحاور معها، لأنها «كلام منزل من عند الله» او هكذا يتوهمون!
هذا هو الخلل الأساسي في دخول الإخوان والجماعات الدينية حلبة العمل السياسي، فبينما الآخرون يمارسون لعبة السياسة، وكلامهم يؤخذ منه ويرد عليه، ويقبل بعضه ويرفض بعضه، فإن كلام «الدين» مقدس، وهكذا لا يكون هناك كلام بعد كلام «الإخوان» و«السلف» و«التبليغ» و«التكفير والهجرة».. إلخ، وبدلا من ان تسقط الثورة حكم الفرد وتخدم حقوق الإنسان تكون الثورة جاءت بحكم «الدين» كما يراه الإخوان، وهكذا لا صوت يعلو فوق صوت الإخوان ولا عزاء للثوار ولمصر المحروسة!
والعبرة لمن يتعظ!
[email protected]