تمر علينا هذه الأيام الذكرى السادسة والثلاثون للغزو العراقي الغاشم في توقيت لا يخلو من دلالة. فبينما تستعيد الذاكرة الوطنية مشاهد أغسطس ١٩٩٠ الأليمة، تجد الكويت نفسها اليوم في مواجهة اختبار جديد، مختلف الملامح لكنه واحد في الجوهر، صواريخ ومسيّرات إيرانية تخترق الأجواء بين الحين والآخر، على وقع حرب أميركية إسرائيلية ضد إيران فرضت على دول الخليج واقعاً أمنياً معقداً لم تخترْه.
والمفارقة أن الكويت التي خرجت من محنة الاحتلال عام ١٩٩١ بجيش أعيد بناؤه من الصفر تقريباً، تقف اليوم بمنظومة دفاع جوي تعترض التهديدات وتُسقطها قبل أن تبلغ أهدافها. هذا وحده يختصر مسافة الثلاثة عقود ونصف من دولة استُبيحت أرضها بالكامل إلى دولة تملك أدوات الردع والحماية، وإن ظل التحدي قائماً في منطقة ملتهبة.
لكن الفارق الحقيقي بين ١٩٩٠ واليوم ليس عسكرياً فحسب، بل وجداني بامتياز. فحين اجتاحت الدبابات العراقية الحدود، كان الصمود ومجابهة المعتدي عقيدة لدى أبناء الكويت. أما اليوم، ومع كل صاروخ يُعترض في سماء البلاد، تلتف الكويت حكومة وشعباً حول قائدها صاحب السمو الأمير، حفظه الله ورعاه، في مشهد وحدة وطنية لا يحتاج إلى تبرير أو استعراض. فالتاريخ الكويتي، من الغزو إلى اليوم، يكرر درساً واحداً أن هذا البلد الصغير جغرافياً، الكبير بمواقفه ومبادئه، عصيّ على كل معتدٍ وطامع.
الكويت التي صمدت أمام الغزو الغاشم ، لم تتغير مواقفها الديبلوماسية الثابتة تجاه القضايا العربية والإقليمية، وظلت صوت الاعتدال والحكمة في محيط مضطرب. واليوم، وهي تتصدى لتهديدات جديدة، تستحضر الذكرى لتقول للعالم إن سيادتها خط أحمر، وإن وحدتها الداخلية هي الدرع التي لا تخترق، مهما تبدلت مصادر الخطر ومهما تعددت أشكاله.
هكذا تكتب الكويت تاريخها لا بالشعارات، بل بالمواقف. من رماد الغزو إلى سماء اليوم المكتظة بالتهديدات، يبقى الثابت الوحيد أن هذا الوطن، حين يُختبر، يزداد تماسكاً لا انكساراً. وتلك هي الرسالة التي تحملها كل ذكرى، وتؤكدها كل أزمة.
[email protected]