أصيب العالم عام 2008 بأسوأ أزمة مالية منذ قرن، حيث بدأت مع انهيار مؤسسات الرهن العقاري في أميركا وهما مؤسستا فريدي ماك، وفان ماي، ووضعت تحت الوصاية من الحكومة الأميركية مع كفالة ديونهما بقيمة 200 مليار دولار، ثم انهار بنك ليمان براذرز الأميركي وأحدث هزة كبيرة في قطاع البنوك على مستوى العالم، ثم كفلت الحكومة الأميركية شركة AIG، المهددة بالإفلاس وقامت بمنحها مساعدة بقيمة 85 مليار دولار، ثم بعد ذلك توالت انهيارات البنوك الأميركية وبلغت أكثر من 100 بنك، مما حدا بالحكومة الأميركية الى رصد 700 مليار دولار لدعم الاقتصاد والشركات والبنوك الأميركية لوقف انهيار الاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي، ولقد تأثرت أيضا الدول الأوروبية بالأزمة، وبلغت حجم خسائرها أكثر من 1.4 تريليون يورو بالأخص مع تفاقم أزمة اليونان، وتهديد منطقة اليورو بالانهيار والتبعثر، وقامت كل من بريطانيا، وألمانيا بدعم مؤسساتها المنهارة بأكثر من 100 مليار يورو لكل واحد منهما لدعم مؤسساتها، وتأثرت دول الخليج طبعا بالأزمة حيث انخفضت أسعار النفط مما أثر على ميزانيات ودخل دول الخليج وفقدت كل من مؤشرات البورصة بالسعودية ودبي والكويت أكثر من 40%، مما أدى لانهيار كثير من الشركات العاملة بهذه الدول بالأخص شركات الاستثمار، وأيضا انهيار دبي المالي بعد أن تفاقمت أزمة الديون لديها حيث بلغت 120 مليار دولار، مع العلم أن الناتج المحلي يبلغ 77 مليارا، مما أدى إلى تدخل أبوظبي الشقيقة الكبرى لدعم دبي بالأخص للديون القصيرة الأجل خوفا من انهيار الاقتصاد الإماراتي بالكامل، وأيضا قامت الحكومة القطرية بشراء كافة المحافظ العقارية ومحافظ الأسهم لدى البنوك المحلية خوفا من انهيار اقتصادها، والخوف من توقف سير عملية التنمية الكبيرة التي تسير بها لتكون مركزا تجاريا عالميا، وعندنا في الكويت كان التأثر واضحا بعد أن فقدت البورصة 30 مليارا من قيمتها وأيضا انهارت شركات الاستثمار لدينا والتي أيضا لديها 30 مليار دينار من حقوق العملاء ومحافظ وصناديق بالإضافة إلى حملة الأسهم، ولم تحقق شركات الاستثمار أي أرباح في الربع إلا 1.9 مليون دينار مقارنة في 130 مليونا لقطاع البنوك في الربع الأول لعام 2010.
وفي الواقع أن الدول الكبرى مثل أميركا واليابان وأوروبا دفعت مئات المليارات لإنقاذ الشركات الأساسية التي تؤثر على اقتصادها ولوقف الانهيار الاقتصادي ولقد نجحت في ذلك، واليوم عادت مؤشرات البورصة إلى الارتفاع لديها، وارتفع حجم النمو الاقتصادي، بل ان الحكومة الأميركية حققت أرباحا من خلال مساهماتها في الشركات الأميركية الرئيسية والتأمين والبنوك، وهي بصدد استرجاع أموالها مع الأرباح، وفي الكويت كان هناك تحرك لإنقاذ الوضع من خلال إصدار الحكومة قانونا لدعم الودائع في البنوك، وقيام الحكومة بوضع محفظة وطنية بقيمة 1.200مليار دينار لشراء أسهم الشركات التشغيلية في البورصة، وقامت أيضا بإصدار قانون الاستقرار المالي لدعم البنوك وشركات الاستثمار المحلية، ولنا وقفة مع هذا القانون نظرا لأهميته.
قانون الاستقرار المالي
صدر القانون في 1/4/2009، ولغاية اليوم لم يتقدم إلا النذر اليسير من الشركات إلى الاستفادة من هذا القانون إلا بقيمة 81 مليون دينار فقط من أزمة مالية قد تصل إلى 60 مليار دينار أصابت البلد وفي تصريح لنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية لجريدة القبس عندما سأل عن قانون الاستقرار المالي، قال: «قانون الاستقرار المالي لم يكن كفيلا بتحريك كل القطاعات، ولم يستفد منه إلا شركات أجبرت للتعامل مع الآخرين، وعلينا إيجاد البديل في إطار مقبول إلى نطاق رأسمالي كبير»، ومن الملاحظات على قانون الاستقرار المالي:
1- قانون الاستقرار المالي لم يحظ بدراسة كافية قبل إقراره، وهنا نستغرب أين جيش المستشارين في البنك المركزي، فكان من الواجب دراسة المشكلة التي على أساسها يوضع القانون، وكان يجب تحديد الآتي:
- الشركات التشغيلية والتي تأثرت بالأزمة المالية ولها أصول منتجة.
- شركات تشغيلية تأثرت بسبب الأزمة، ولديها أصول منتجة ولكن بسبب الممارسات الخاطئة لأعضاء مجلس الإدارة انهارت وتأثرت بالأزمة أو انكشفت بالأزمة.
- شركات غير تشغيلية ورقية يجب إخراجها من السوق.
- شركات تشغيلية + ورقية، تلاعبت بأموال العملاء والمساهمين، ويجب إحالتها إلى النيابة.
- حجم كل شركة من محافظ، وأموال العملاء والمساهمين ومدى تأثر الاقتصاد بها.
- حجم الأزمة الكلي وتكلفتها على الدولة.
- كيفية تعويض العملاء بسبب ضياع استثماراتهم بسبب الأزمة المالية.
كيفية الاستفادة من جهات الدولة الاستثمارية والتي لديها محافظ كبيرة ودورها في حل الأزمة والاستفادة من خبراتها مثل الهيئة العامة للاستثمار، والتأمينات الاجتماعية.
2- عانى القانون من فترة الإرهاب السياسي لمجلس الأمة على الحكومة لمنعها من حل الأزمة الاقتصادية أو ربط حل الأزمة بشراء ديون المواطنين.
3- قانون الاستقرار لا يعكس فلسفة ورؤية اقتصادية لدعم الشركات التشغيلية والقطاعات المنتجة حتى نص القانون على دعم القطاعات المنتجة بـ 4 آلاف مليون دينار من خلال البنوك ولم توضح المادة ما المقصود بالقطاعات المنتجة.
4- تحديد القروض بـ 5 سنوات قليل وكان يجب الأخذ بالاعتبار بأن تكون من 10 الى 15 سنة.
5- كان يمكن أن تستخدم الدولة أموال البنوك والشركات المليئة لتطبيق التمويل وهي تعطي الضمان.
6- دور الهيئة العامة الاستثمار ضعيف جدا بالقانون وكان الأولى النص على شراء الهيئة للمحافظ أو الشركات ذات الأصول المنتجة.
7- قانون الاستقرار تجاهل تماما وضع العملاء في الشركات الاستثمارية.
8- المبلغ المرصود ألف وخمسمائة دينار لدعم الشركات الاستثمارية قليل ولا يواجه الأزمة وحجمها على الاقتصاد الكويتي.
9- أيضا كان يجب أن يحدد القانون كيف يمكن أن تستفيد الدولة وتربح من علاج الأزمة كما حدث مع الولايات المتحدة عندما دعمت الشركات الكبرى والمنتجة والآن تحقق أرباحها من خلال مساهمتها ودعمها لهذه الشركات.
10- نصت المادة (30) بأنه «على الجهات المستفيدة تقديم إقرارات حول المعاملات التي بينها وبين أعضاء مجلس الإدارة وجميع أعضاء الجهاز التنفيذي وكبار الملاك، والسؤال المهم كيف تمر هذه المعلومات على الأجهزة الرقابية في كل من البنك المركزي، وزارة التجارة، إدارة البورصة، ومكاتب التدقيق وكيف نطلب هذه المعلومات من الجهات المستفيدة والمفروض أن تكون على علم بها ان حدثت وأن تتخذ الإجراءات القانونية؟
11- رئاسة البنك المركزي للجنة التي صاغت القانون، يلاحظ عليها التالي:
- القانون انحاز للبنوك، وتشدد على الشركات الاستثمارية.
- جميع الحلول التي طرحت في العالم كانت من خلال أعلى سلطة، ففي الولايات المتحدة وأوروبا كانت من رئاسة الدولة، ورئاسة المحافظ لهذه اللجنة ما يعني عدم إيمان الدولة بأهمية المشكلة وكان الأولى رئاستها من رئيس مجلس الوزراء أو على الأقل نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
12- كان يجب أن يعالج القانون بصورة شمولية آثار الأزمة على الاقتصاد، بالأخص تباطؤ عملية النمو الاقتصادي، خسارة العملاء والمساهمين، وقف النشاط الاستثماري من خلال تورط أغلب الشركات الاستثمارية بالديون وتوقف نشاطها وتركيزها على تسديد الديون، وأيضا المساهمة في عودة الثقة إلى سوق الأوراق المالية.
13- الضغط السياسي هو الذي أدى لصدور مثل هذا القانون، ونحن بدورنا ندعو إلى إبعاد القوانين الاقتصادية عن النفس السياسي، وتجردها فقط لأداء دور اقتصادي وفق إستراتيجية واضحة لدعم الاقتصاد، كما ندعو الاخوة في اللجنة المالية بمجلس الأمة لإكمال إنجازاتهم في إصدار القوانين الاقتصادية المتميزة هذه الدورة بإعادة دراسة قانون الاستقرار المالي والتعاون مع الحكومة والخبراء الاقتصاديين في صياغة قانون يقوم بحل هذه المعضلة التي نواجهها.
(يتبع المقال القادم هيئة سوق المال والحلول)
[email protected]