خلق الباري جلت قدرته الإنسان وصوره في أحسن تقويم، اذ جعله مديد القامة متناولا طعامه بيده، وجعله متكلما مدبرا حكيما لشأنه في حياته وليضحي خليفته في الأرض بفطرته واستعداده.
بيد ان الإنسان يأتي عليه حين من الدهر ليرد أسفل سافلين مرهونا بضعف وشيبة وتأوه وتألم بتآكل وانحسار قوة ووهن أعضائه.
تطرقنا في مقال سابق بعنوان «شهادة الجوارح»، بأن أيدي الإنسان وسمعه وبصره ورجليه وسائر أعضائه والتي كان يستخدمها للخير والشر ويسخرها لأهوائها ولذاتها وتنقلاته، هذه الأعضاء ستأتي يوم القيامة ينطقها الخالق القادر لتشهد على الإنسان بكل ما عمله من شر أو خير مهما صغر أو كبر كل في كتاب مسطور، فمنهم كتابه في سجين ومنهم كتابه في عليين.
وفي سورة الفلق هدد مالك الملك الانسان بأنه سيسحل من مقدمة رأسه وهي الناصية لتقر بما اقترف صاحبها من آثام، وهو الكاذب الخاطئ المستهتر من خلال انتهاكه للحرمات واستحلاله للحرام وبكل ما حرمه الله ونهى عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فالإنسان في حياته لا مراء، يضم شناعة الى أخرى بنهيه لإنسان عن الصلاة، بل ويضيف الى هذه الفعلة المستنكرة، فعلة أخرى أدهى وأمر بأن يكذب ويتولى ما تولى ناسيا ان الله يرى!
لذا، غدا وأمسى هذا التهديد بالسحل من الناصية في إبانة في اللفظ القاسي بالأخذ بالعنف والناصية هي الجبهة التي هي أعلى مكان يرفعه الطاغية المتكبر الفج. فهذه المقدمة المتشامخة تستحق السفع والصرع ولن يفيده الاستغاثة برهطه لأن الزبانية الشداد الغلاظ له بالمرصاد.
ولنا كذلك ان نعي بعقولنا وقلوبنا قوله سبحانه في سورة يس، بأنه يوم الحساب سيخرس ويختم على أفواههم، لكي لا يستطيعوا الكلام لترك المجال لأعضائهم من الأيدي وغيرها ولتشهد أرجلهم الى أي سبيل قادتهم، وأمست شاهدا دامغا على أفعالهم.
وفي دراسات وأبحاث لكوكبة من العلماء الأجانب تبين لهم أن جزءا من المخ والذي يقع تحت الجبهة مباشرة (الناصية) هو المسؤول عن الكذب والخطأ، وهو كذلك مركز اتخاذ القرارات، والتدابير أيا كان نوعها، فلو قطع ـ نظريا ـ هذا الجزء من مخ الناصية فإن صاحبه لا يكون بمقدوره ان تكون له إرادة مستقلة ولا يستطيع ان يختار، كما أضافت دراسات لاحقة ان مثيل هذا الموقع في الحيوان ضئيل وضعيف، لا يجيز للحيوان القدرة على القيادة أو التوجيه، تلك الدابة التي أخذ الله بناصيتها، وفي الحديث الشريف ناصيتي بيدك.
(هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه)
[email protected]