البيئة الصالحة من أقوى الأسباب التي تساعد على زيادة الإيمان، فحين يكون الأب تقيا والأم قارئة للقرآن والأخ مقيما لليل، يتهيأ المناخ لكي ينشأ الشاب نشأة سوية، وإن كان لكل قاعدة شواذها، وقد نشأ الصحابي الذي سنتحدث عنه في أسرة إيمانية فأبوه زيد بن عاصم أحد السبعين الذين شهدوا العقبة، وأمه أم عمارة نسيبة المازنية أول امرأة حملت السلاح دفاعا عن دين الله، وأخوه هو عبدالله بن زيد الذي جعل صدره دون صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأسرة: بارك الله عليكم من أهل بيت.. رحمكم الله من أهل بيت.
هذا الصحابي هو حبيب بن زيد والذي كان صغيرا في معركتي بدر وأحد فلم يشارك فيهما ثم شارك بعد ذلك الرسول في باقي غزواته، وحين ظهر مسيلمة واشتد ساعده أرسل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة جاء فيها: من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله.. إني قد أشركت في الأمر معك، وان لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشا قوم يعتدون.
فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة قال فيها: من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ولكن مسيلمة ازداد شرا واستشرى فساده، فرأى رسول الله ان يبعث اليه برسالة زجر أخرى مع حبيب بن زيد، ومضى حبيب الى ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين رأى مسيلمة الرسالة بدا الشر والغدر على قسمات وجهه وأمر بتقييد حبيب وان يؤتى به إليه ضحى اليوم التالي، ووسط الجموع الحاشدة يقف حبيب في الموعد ويسأله مسيلمة: أتشهد اني رسول الله؟
فيجيب حبيب في سخرية: إن في أذني صمما عن سماع ما تقول. ويغضب مسيلمة ويأمر جلاده ان يقطع قطعة من جسد حبيب، فيهوي الجلاب بسيفه ويبتر قطعة من جسده فتدحرج على الأرض، فيعيد مسيلمة السؤال، وحبيب يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، والجلاد يقطع قطعة أخرى حتى صار نصف جسده مقطعا منثورا على الأرض ونصفه الآخر كتلة تتكلم، حتى فاضت روحه وهو ينطلق الشهادة. وبلغ ذلك أمه نسيبة والتي أصرت على الأثر لولدها فلما كان يوم اليمامة لحرب مسيلمة الكذاب شوهدت نسيبة تشق الصفوف وهي تنادي: أين عدو الله؟ دلوني عليه حتى وجدته على الأرض وسيوف المسلمين تنهل من دمائه فطابت نفسا وقرت عينا.