سالم الحمر
كان أبوبكر الصديق رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة، قالت جارية: الآن ألا يحلبها؟ فقال ابوبكر: بلى، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد بعض الأرامل فيسقي لهن الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهارا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هل له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى وأنا امرأة عمياء كسيرة مات زوجي منذ زمن، وما لنا من عائل بعد الله، إلا هذا الرجل الذي يدخل علينا، قال: أتعرفينه؟ قالت: لا والله ما أعرفه، قال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، عثرات عمر تتبع؟ وهذا يدلنا على ان التطوع لا يقتصر على المال وحده وإنما يتعدى الى مجالات متنوعة، منها السعي على الضعفاء والمحتاجين والأرامل والمساكين واليتامى والتنافس في فعل الخيرات.
وأيضا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وعمله التطوعي بتجهيز جيش العسرة وشراء بئر روحة ليوقفها للمسلمين ليشربوا منها مجانا بعد ان كان يباع لهم بما يزيد على طاقتهم والقصد والغاية مرضاة الله تعالى ورسوله.
وكان أبووائل يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم يشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن.
وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني أكثر.
وكان حكيم بن حزام يحزن على اليوم الذي لا يجد فيه محتاجا ليقضي له حاجته، فيقول: ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة إلا علمت انها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها.
وقد جاءت النصوص النبوية الشريفة لتؤكد فضل العمل التطوعي، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه».
ومن فضائل قضاء الحاجات (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها)، قال صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب» قال ابن عباس: «إن لله عبادا يستريح الناس إليهم في قضاء حوائجهم وإدخال السرور عليهم أولئك هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة».
قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس الى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال الى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم أو يكشف عنه كربة او يقضي عنه دينا او يطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من ان أعتكف في هذا المسجد ـ مسجد المدينة ـ شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كتم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تُهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام».