المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجدها كلها دليلا سلوكيا على هذا الحنان والرفق في تعاملاته مع الجميع، فعندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري الى اليمن غرس فيهما هذا المعنى قائلا: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا.
يقول أنس رضي الله عنه خادم النبي صلى الله عليه وسلم: خدمت رسول الله عشر سنين فما قال لي أف قط وما قال لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ وكان لا يظلم أحدا أجره.
فالمسلم دائما ينبغي أن يكون ذا قلب رحيم لأن مثله الأعلى هو التخلق بصفات الله جل وعلا بحيث يكون له نصيب منها وأجلها رحمة الله عز وجل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرب لأصحابه هذا المعنى حين رأى مع أصحابه امرأة تمسك بولدها وتحتضنه، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟
قالوا: لا، قال: فالله أرحم بعباده من رحمة هذه بولدها». ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن الرحمة لن تنال إلا من يتشبه بها فيقول صلى الله عليه وسلم: إنما يرحم الله من عباده الرحماء، ويقول: «من لا يَرحم لا يُرحم»، ويقول: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» فرحمة المؤمن لا تقتصر على اخوانه المؤمنين فحسب، وإنما أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم عموم الرحمة في قلب المؤمن، فقال: «لن تؤمنوا حتى ترحموا» قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: «انه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة»، فالمسلم مطالب بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).
هكذا أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم في بداية البعثة، مؤكدا أن الرفق منهج إسلامي بامتياز، موجبا على اتباعه في الوقت ذاته أن يجعلوه منهج حياة في تعاملاتهم مع الآخرين مسلمين كانوا أو غير مسلمين، والرفق وعدم التشدد والرحمة بين الناس منهج إسلامي جعله الله أساسا للتشريع في العبادات والمعاملات ويتأكد ذلك من خلال الرخص الكثيرة التي شرعها في مجالات شتى وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم العمل بها قائلا: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته».
ولذا، فلا مكان في القرآن للعنف والشدة، وإنما يوجب الرفق واللين في التعامل مع البشر ومع غير البشر من نبات وحيوان وحتى الجماد، فعلى المسلم إبراز سماحة الإسلام من خلال اتخاذه الرفق منهجا وسبيلا في تعامله مع الآخر مسلما كان أو غير مسلم.