قال ابن الجوزي رحمه الله في «صيد الخاطر» (43): «قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة، فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القسوة والغفلة! فتدبرت السبب في ذلك، فعرفته.
ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك، فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفة من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها، لسببين:
أحدهما: أن المواعظ كالسياط، والسياط لا تؤلم بعد انقضائها، إيلامها وقت وقوعها.
والثاني: أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة، قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا، وأنصت بحضور قلبه، فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها، وكيف يصح أن يكون كما كان؟!
وهذه حالة تعم الخلق، إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر».
إن ما طرحه ابن الجوزي قديم من حيث عصر الكاتب متجدد من حيث استمرار وجود هذه المواقف المتنوعة من المسلمين عند حضورهم الخطب الجامعة، كخطبة الجمعة أو في مجالس الوعظ، وقد بين أسباب هذه المواقف، وهو بذلك يتيح لنا مجال البحث عن حلول لهذه المواقف ومحاولة معالجتها والحد منها.
إن التأثير بالآخرين أمر مطلوب من الكثيرين وخاصة الأئمة والدعاة الذين يحرصون على شد انتباه الحضور لأهمية الواجبات الدينية من أوامر ونواه، وتثبيت غراس الإيمان في أعماق القلوب، ونشر القيم والفضائل في المجتمع، والتشجيع على التمسك بها، كل هذا لا بد له من شروط تتوافر في الداعية أولا، وفي المتلقي ثانيا، ومن ذلك:
1 ـ حماس الداعية وإخلاصه للمبادئ والمعتقدات التي يريد بيانها وإيصالها لغيره من الحضور، لأن الكلمة اذا خرجت من القلب وقعت في القلب، واذا خرجت من اللسان فقط لم تجاوز الآذان.
2 ـ قدرة الخطيب أو الواعظ على الخطاب المؤثر وامتلاك أدواته من ثقافة شرعية واسعة، وأسلوب حسن، ومادة مختارة، وظرف مناسب من حيث مواكبة الحدث وملامسة الواقع، ومن خلال هذه الأدوات يمكن إيصال المراد بأحسن صورة إلى المتلقي بوضوح وحيوية، ولا شك أن مضمون الكلام يستأثر بالتأثير الأساسي، ولكن للأسلوب الحسن أثر كبير في إيصال مضمون الكلام إلى المستمعين، وكم من سلعة نفيسة أعرض عنها الناس لسوء تغليفها أو سوء عرضها.
وكم من عالم متبحر لا يلفت الأنظار إليه، لأنه لا يحسن شيئا من فن الخطاب المؤثر، وكثيرا ما يكون الفارق بين متحدث ناجح، وآخر مخفق هو الاهتمام والحرص على تجويد الخطاب وإتقانه.
3 ـ الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة والأقوال المأثورة الموافقة للموضوع المطروح مهم جدا لإعطاء المصداقية لما يقوله وإبقاء الهيمنة للجو الديني، وهو عامل مهم في دفع الوحشة عن كلامنا، ولكن لا بد دائما من نوع من التوازن بين الاستشهاد والتحليل، كما أنه لا بد من الحذر من لي أعناق النصوص وسوقها على نحو متعسف.
4 ـ استخدام الأسئلة أثناء الخطبة في محاولة لإشراك السامعين ذهنيا، والتجديد في الخطاب، ولكن لا ينبغي انتظار أجوبة عنها، وإنما المراد إيجاد نقاط ارتكاز مشتركة أثناء الموعظة، مثل قولنا: كم يا ترى سنوفر على البلاد من مال لو أننا جميعا امتنعنا عن التدخين؟
وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم اسلوب الاستفهام ليشد انتباه السامع، والشواهد في هذا كثيرة منها ما رواه البخاري (4684) عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرغب الصحابة في الانفاق مثنيا على ربه سبحانه كما في قوله: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض ما في يده».
أما ما يخص السامعين الحاضرين للصلاة الجمعة أو مجلس الوعظ، فإن عليهم أن يعلموا أنهم جاءوا لأداء شعيرة من شعائر الدين إن كان ذلك في صلاة الجمعة، فلا بد من مراعاة الأمور التالية:
1 ـ حضور القلب في أجزائها جميعا سواء في الخطبة الأولى أو الثانية، فخطبة الجمعة هي الموعظة الأسبوعية التي يجتمع لها المسلمون، ولا يتخلف عنها أحد إلا بعذر شرعي! وخطبة العيد هي الموعظة السنوية.
2 ـ الاستماع إلى الخطيب مع عدم الانشغال أثناء الخطبة، وكذلك يحرم العبث بالحصى أثناء الخطبة، أو الكلام، ومن فعل ذلك فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له.
ومن المحزن التشاغل وشغل الغير أثناء خطبة الجمعة بالكلام الجانبي، ومن أعجب ما سمعت لعب بعض الكبار بجهاز الهاتف والخطيب يخطب، فعندما يمتنع السامع عن الكلام ويصغي لخطيب المسجد فانه يقوم بأمرين الأول: أنه يستمع، والثاني: يفسح المجال لغيره أن يستمع فيسود الهدوء ويحسن الإصغاء.
وبناء على ما تقدم يمكن القول ان التزام السامع لخطبة الجمعة أو للوعظ في الدروس الدينية يجعل الجو العام مهيأ للاستيعاب والفهم، وبالتالي الانفعال بما يسمع والمشاركة الوجدانية الحقيقية التي تدفع إلى عمل الخير والالتزام بروح الخطبة أو الدرس، وبمقدار ما انفعل السامع بالخطبة يكون استمرارها، ويتحقق بذلك ما فيه مصلحة المسلمين فهم للدين والعمل به وابقاء الموعظة حية بالقلب تنبض بنبضه، وهذا هو العلاج لما طرحه ابن الجوزي في قوله: «قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة، فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القسوة والغفلة».