أحب الخطاطين ولست بخطاط، لكنني أدرك جمال الخط العربي الذي تم استثماره في كتابة أعظم كتاب عرفته البشرية.. القرآن الكريم.
تعود بي الذاكرة إلى العام 1409هـ ـ 1989م حينما كنت أدرس مادة الخط العربي في مدرسة عبدالرحمن الغافقي الابتدائية، بالصف السادس (أ)، في مدينتي الإحساء، على يد الأستاذ الفاضل والمربي الكبير سعد بن أحمد الهايم.
تعلمت منه طقوس ما قبل وبعد الكتابة في كراسة الرقعة التي أظنها للخطاط المصري الشهير سيد إبراهيم، حيث طلب منا شراء قلم خطاط بريشة لها رقم معين، مع قارورة الحبر الأزرق.
وفي حصة الخط كان يطلب منا أن نستخرج الأدوات وكيف نغمس الريشة في الحبر، ثم نقوم بالكتابة في الكراسة وقد أملنا الريشة إلى اليمين قليلا.
وبعد الانتهاء يطلب منا تنظيف المكان وتنظيف الريشة بالماء وتنشيفها، ثم وضع الأدوات في مكان مخصص في الفصل حتى نعود إليها في الحصة القادمة.
يا الله.. ما أجمل هذه الطقوس، وما أروع هذا الجمال الذي اشرأبت به نفوسنا، وتأثر به سلوكنا.
كانت نقطة الحبر تقع على ثوبي.. لا يهم، لأنها نقطة تكسبني الانتشاء والشعور بأنني أصبحت مثقفا، إذ إن طلاب الابتدائية لا يستخدمون الحبر بل الناشف، الحبر لا يستخدمه إلا الكبار!
ثم توالت السنوات وأنا بعيد كل البعد عن الخط العربي، ثم قرأت عبارة توضع في أعلى أسئلة اختبارات الجامعة حينما كنت في مرحلة البكالوريوس مفادها 8 درجات للخط والإملاء واللغة العربية.
لكنها لم تكن تفرحني، لأن خطي لم يكن بذلك المستوى كخط ابن مقلة أو ياقوت المستعصمي فلا أستحق الدرجة الكاملة.
منّ الله عليّ بأن تكون دراستي الأكاديمية (ماجستير ـ دكتوراه) في الدراسات القرآنية، وكان لدي هاجس كبير وسؤال مهم: كيف أستطيع توظيف الإعلام في خدمة القرآن الكريم وعلومه؟ وتحديدا، كيف أستطيع توظيف الفيلم الوثائقي في خدمة القرآن الكريم وعلومه؟
وشاء الله تعالى أن تكون أول سلسلة وثائقية أقوم بإنتاجها تتعلق بخطاطي المصحف الشريف، أسميتها «خطاطون في رحاب النور».
من هنا بدأت علاقتي بخطاطي المصحف الشريف في العالم العربي، تواصلت معهم، دخلت مراسمهم، تعرفت على همومهم وتحدياتهم.
وفي هذه الزاوية سأقوم بإذن الله تعالى بعرض هذه التجربة من خلال حلقات متتالية، مساهمة مني في التعريف بهذه الرموز الرائعة التي خدمت كتاب الله تعالى، وأصبحت خطوطهم تدخل كل بيت مسلم عن طريق أعظم كتاب، إلا أنهم مع الأسف لم يأخذوا حظهم من الانتشار والاشتهار في أوساطنا الإسلامية، وأصبحت مكانتهم معروفة ومقدرة لدى أهل الاختصاص من المهتمين بالخط العربي فحسب.