بقلم: عمر العبدلي
لطالما وجدت المقدمات عسيرة على الكتابة هل لأنها صعبة بذاتها؟ أم لأن المآسي الكبرى كالتي نمر بها عسرة على التقديم، إنني كإخوتي وأخواتي المواطنين أعيش لحظات تاريخية سيتحدد بأي كتاب تاريخي ستكتب أهو كتاب عجائب الزمان أم مصائبه ؟.
نعيش في الكويت، البلد الذي يحمل من الذكريات والأفكار والاحلام ما يتعدى حدودها الجغرافية الصغيرة وعدد مواطنيها الضئيل، في محيط ملتهب وساخن يكثر فيه المستبدون، أما الكويت، التي لا يشبهها إلا حمام السلام، فقد عاشت في ظل نظام تسود فيه الحرية والاختلاف والنقاشات العامة، عاشت الكويت في ظل نظام دستوري لأكثر من نصف قرن في حين ان جارتها من الدول لا تقام فيها دساتير او برلمانات او حتى نقاش حر ومفتوح.
تخطت الكويت مصاعب جمة في تاريخها القصير ومازالت ثابتة على أسس الحرية والعروبة وكرامة الإنسان، منذ تأسيس الدستور إلى يومنا هذا، مر الشعب الكويتي بأزمات كبرى آخرها إبطال مجلس الأغلبية الذي حشد مظاهرات تاريخية لم تشهد مثلها البلاد من قبل.
سرعان ما تناسى رموز هذه الأغلبية المبادئ والأسباب التي جمعتهم معا وجمعت الناس حولهم فأقروا قانون إعدام المسيء وهنا المعضلة، فكيف تناضل من اجل الحرية ثم تشرع قانونا يعدم انسانا على كلمة.
انحرفت الأغلبية عن مسارها وبدأت مناقشات عقيمة حول تعديل المادة الثانية من الدستور، متناسين ان ألوف المتظاهرين حينما خرجوا طالبوا بمزيد من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لا للنزاع حول جعل الشريعة المصدر التشريعي الأوحد او غيره، فما لبثت هذه الاغلبية حتى دب الشقاق بينها.
إنا نتذكر تلك الأيام بحسرة ولا نرغب في تكرارها مجددا، فكما قال ماركس: «التاريخ يحدث مرتين الأولى كمأساة والثانية كمهزلة»(١) وهنا نسأل هل سيعيد ممثلو الأمة اليوم ذلك التاريخ المشؤوم كمهزلة تنهي كل الآمال التي يحلم بها المواطنون اليوم؟
إن الدستور الكويتي وبشهادة الرموز الوطنية ومؤسسيه كأحمد الخطيب، دستور ناقص يجب إصلاحه ولكنه على الرغم من ذلك يحمل في داخله القدرة على اصلاحه، فكل ما يحتاجه الشعب هو كتلة برلمانية سياسية تعمل من اجل الجميع.
تعيش الكويت في مرحلة مفصلية ستحدد شكل الدولة التي ستبقى لنا بعد ذلك، فإما دولة مدنية وإما إمارة مشيخية تنحدر فيها الكويت إلى غياهب الظلام.
فبعد اجتماع أغلبية أعضاء المجلس وإعلانهم موقفا واضحا أمام الشعب، إلا أن الشك والريبة التي حملها بعض المواطنين تجاه الاجتماع أضحى يقينا لا جدال فيه، تنكر بعض النواب بعد الاجتماع لوعودهم ونكثوا بعهودهم ما أدى الى زعزعة ما تبقى من ثقة المواطنين في البرلمان.
وإن شاع الشك في العمل الديموقراطي بين المواطنين زاد من فرص الساعين الى تقويضه، وهنا يأتي دور السياسي الواعي حينما يعيد للمواطنين ثقتهم فيه وفي مؤسساتهم الشعبية.
ولنا في التجربة البرلمانية المصرية أواخر العهد الملكي عبرة حينما انهارت بسبب المعارك الجانبية وسوء تصرف السياسيين، وبعد الانقلاب رفضت الأمة العمل الحزبي وسلطة الشعب عبر البرلمان حينما خرجوا مؤيدين لسلطة الرجل الواحد وحل الاحزاب، وكما قال علي بن ابي طالب رضي الله عنه: «ما أكثر العبرة وما أقل الاعتبار».
إن الديموقراطيات الناشئة لا تعمل وحدها بل تحتاج لسياسيين مؤمنين بالديموقراطية، وأساس بنائها هو الثقة المتبادلة بين المواطنين وممثليهم.
لا شك ان عدم الثقة بالمؤسسات والشعور بفقدان العدالة الاجتماعية هي ما جنته الحكومة على الشعب، ولكنه في الوقت ذاته مسؤولية ملقاة على عاتق السياسيين ليحاربوا تردي الحكومة وسوأها ويستعيدوا بعملهم الجاد والصادق ثقة الناس وايمانها.
إن انحسار الثقة بالمؤسسات والشعور الدائم بفقدان العدالة الاجتماعية لدى المواطنين من شأنه أن يفقد البرلمان الشرعية والدعم الشعبي الذي بفقدانه ستنتشر حالة خمول وموت بطيء في المجتمع، وبتلك الحالة سينتهي الحلم الديموقراطي، فالديموقراطية تحتاج الى شعب حي وناشط.
إنه وبعد ذكر المشكلات والاسباب التي ناقشتها، أجدني أمام مشكلة واحدة عصية على التفسير والتحليل العقلاني، وهي إلقاء اللوم على الشعب، إن لوم البسطاء على التردي والانحطاط القائم هو جهل صريح في بديهيات السياسة وعلم الاجتماع أو خبث بواح في النفس البشرية.