بيروت ـ عمر حبنجر
استرعى الانتباه الديبلوماسي في بيروت دخول رئيس الجمهورية ميشال عون حلبة المواجهات السياسية المفتوحة على الانتخابات التشريعية المقبلة، شخصيا، ودون الاتكاء على رئيس تياره النائب جبران باسيل أو على من تبقى من نواب تكتل «لبنان القوي» المتشبثين بجدران مركبه التائه في بحر الأوهام الرئاسية.
فمن الحملة على حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، عبر اتهامه بعرقلة التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، إلى توجيه السهام الرئاسية لحليف الأمس د.سمير جعجع، مرورا برئيس مجلس النواب نبيه بري، وان بصورة التفافية، وصولا إلى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، المتحالف انتخابيا مع جعجع وحليفه كميل دوري شمعون.
ويبدو ان الرئيس عون قرر في السدس الأخير من ولايته التخلي عن البروتوكولات الرئاسية والتعامل مع القوى السياسية، بمثل ما يتعاملون به معه، بمعزل عن حصانة الرئاسة ووقارها، وقد أطلق حملته بداية ضد حاكم مصرف لبنان المركزي.
ففي حديث لصحيفة «الجمهورية» استهله بتناول الرد اللبناني على الورقة الخليجية، التي حملها وزير الخارجية الشيخ د.أحمد ناصر المحمد إليه بقوله: لبنان تعاطى بإيجابية مع هذه الورقة، فهناك بنود وافقنا عليها وهناك بنود دقيقة اقترحنا ان تتم مناقشتها مع لجنة خليجية مشتركة.
وعن الأوضاع الاقتصادية، قال: إذا وجدتني ابتسم قليلا فلا يخدعك الأمر، «إذ أكون كالطير الذي يرقص مذبوحا من الألم، حيال معاناة اللبنانيين، نتيجة ما اقترفته المصارف وحاكمية مصرف لبنان».
وهنا حذر الرئيس عون من ان على حاكم مصرف لبنان تلبية كل طلبات شركة التدقيق (الفاريس آند مارسال) خلال مهلة أسبوع، لافتا إلى ان كيله طفح من المماطلة، وقال: على الجميع أن يعرف ان مهلة السماح انتهت «ولم يعد باستطاعتي ان أصبر وأتساهل، والبيان الذي صدر عن رئاسة الجمهورية قبل أيام هو إنذار»، لافتا إلى ان «لسلامة مشكلات قضائية مع سبع دول أوروبية»، وتوقف أمام الصعود والهبوط السريعين للدولار دون مبررات اقتصادية.
وردا على اتهام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بـ «إحراق البلد وإيصاله إلى الانهيار»، تساءل الرئيس عون: «هل أنا الذي وضع يده على المال العام منذ العام 1992؟ وهل أنا من يحمي مهندسي الإفلاس والانهيار؟».
وأضاف «أصلا تحتار مع أي وليد جنبلاط ينبغي أن تتكلم، وهو الذي يصح فيه القول: إذا كان معك انتظره ان يتركك وإذا كان مع غيرك انتظره ان يعود إليك. الأكيد ان المزاجية لا تبني دولة».
وعن مهاجمته من جانب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، رد عون سائلا: «هل أنا آذيت أحدا؟ هل أنا بنيت قصرا؟ هل أنا غدرت بحليف؟ (يقصد سعد الحريري) هل أنا احترفت التحريض؟».
وأضاف: «فليخبرنا جعجع عن إنجازاته. ولتكن لديه جرأة ان يجري جردة حساب ويخبرنا ماذا حقق للبلد غير التحريض والدعوة إلى التنحي، التزم مرة بأن يمنح الرئيس سعد الحريري أصوات القوات اللبنانية خلال مشاورات التكليف، فنام الرجل رئيسا مكلفا ثم استفاق منسحبا، بعدما خذله جعجع وتراجع عن تأييده».
وخلص الرئيس عون إلى التمسك بتفاهمه مع حزب الله الذي تحل ذكراه الشهر الجاري، حيث وصفه بصمام أمان ضد الفتنة، لافتا إلى ان جبران باسيل وضع على لائحة العقوبات الأميركية بسببه، مضيفا ان ما تحمله باسيل لا يتحمله إلا أصحاب الشخصيات الصلبة.
وأعرب الرئيس عون عن ارتياحه إلى سلوك حكومة نجيب ميقاتي، وقال انه سيغادر قصر بعبدا في 31 أكتوبر المقبل، وإلى الطامحين للرئاسة قال: «الفراشة تدرك ان الضوء يحرقها، لكنها تظل تحوم حوله».
وجوابا على سؤاله عن إنجازات جعجع، ردت أوساط القوات اللبنانية بتوجيه السؤال نفسه للرئيس عون، حيث لم تجد من إنجازاته سوى وعده بإيصال لبنان إلى جهنم، كما انه بدل التركيز على إنقاذ ما تبقى من لبنان يهدر الأشهر الأخيرة من عهده بمعارك عبثية لا تقدم ولا تؤخر، واعدا بأوهام العمل على بناء الدولة التي قضى عليها تياره لصالح دويلة حزب الله.
قناة «الجديد» اعتبرت نفسها ووسائل إعلامية أخرى معنية بكلام الرئيس عون حول الجهات التي تتهجم عليه، وقالت في مقدمة نشرتها المسائية أول من أمس ان ما يعنيه في هذا الملف حماية حقوق الناس، في هذا الصراع السياسي والمالي، وأضافت: إذا كان الرئيس عون يتهم الآخرين بالعرقلة، فليسجل عنده: من عرقل التشكيلات القضائية وحبسها في إدراج الرئاسة لأنها غبنت القاضية غادة عون؟ من وظّف وعبّأ الإدارات والوزارات بالآلاف «كحشوة» انتخابية؟ من باع اللبنانيين سدودا مائية فارغة؟ ومن خاض معارك وهمية لاسترجاع حقوق المسيحيين إلى ان هاجر المسيحيون حتى كادوا يصبحون أقلية؟ من حمى صهره بصفقاته وبواخره (الكهربائية) وتعييناته وعطل تشكيل حكومات حتى يرضى جبران؟ ولمن تعطلت رئاسة الجمهورية سنتين ونصف السنة كي يجري انتخابه رئيسا للجمهورية؟ وأخيرا من مدد حاكمية رياض سلامة للبنك المركزي؟
في غضون ذلك، أكدت مصادر سياسية لـ «الأنباء» ان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري سيكون في بيروت للمشاركة بذكرى اغتيال والده الشهيد رفيق الحريري يوم 14 الجاري.
المصادر تحدثت عن مجيء رجل الأعمال بهاء الحريري إلى بيروت، بالمناسبة عينها، ولدراسة إمكانية ترشحه للنيابة عن المقعد السني في مدينة صيدا محل عمته السيدة بهية الحريري، التي أعلنت عزوفها عن الترشح انسجاما مع قرار الرئيس سعد الحريري.
وفي معلومات المصادر فإن العديد من نواب تيار المستقبل، خصوصا في الشمال والبقاع، قرروا عدم إخلاء الساحة، والترشح كمستقلين، ضمن إطار تكتل سياسي يجري إعداد صيغته، وفق نائب البقاع عاصم عراجي، تمهيدا لتشكيل كتلة نيابية وازنة، لأن النائب المنفرد صوت بلا صدى.