أدلى الناخبون الفرنسيون بأصواتهم أمس في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة التي شكلت فيها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن تهديدا غير متوقع لآمال الرئيس إيمانويل ماكرون في الفوز بولاية جديدة، ما أثار قلق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بحسب صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية.
ونبهت الصحيفة في هذا الإطار إلى أنه من النادر جدا رؤية الأخبار السياسية الفرنسية تتصدر الصفحة الأولى للرسالة المتخصصة في قضايا الأمن القومي للموقع الإخباري الأميركي «بوليتيكو»، مشيرة إلى أن «بوليتيكو» قالت نقلا عن ثلاثة مصادر رفيعة في إدارة بايدن إن فوزا محتملا لمارين لوبن، التي لم تخف في أكثر من مناسبة تعاطفها مع فلاديمير بوتن، يمكن أن يزعزع استقرار التحالف الغربي ضد موسكو ويقلب دور فرنسا كقوة أوروبية رائدة ويحتمل أن يعطي قادة الناتو الآخرين موقفا بشأن البقاء في الحلف.
وبدأ التصويت في الساعة الثامنة صباحا، حيث دعي نحو 48.7 مليون فرنسي إلى لاختيار واحد من 12 مرشحا في الدورة الأولى في نهاية حملة غريبة طغى عليها وباء «كوفيد-19» أولا ثم الحرب الروسية على أوكرانيا التي ادت الى ارتفاع التضخم وساهمت في انخفاض القدرة الشرائية للفرنسيين وحازت جزءا مهما من النقاشات.
وقبل أسابيع فقط، كانت استطلاعات الرأي تشير إلى فوز سهل لماكرون المؤيد للاتحاد الأوروبي والذي تعزز موقفه بفضل ديبلوماسيته النشطة بشأن أوكرانيا والتعافي الاقتصادي القوي بالإضافة إلى ضعف المعارضة المتشرذمة.
لكن شعبية الرئيس الذي ينتمي الى تيار الوسط تراجعت لعدة أسباب، منها دخوله المتأخر إلى الحملة الانتخابية إذ لم يعقد سوى تجمع انتخابي واحد كبير وهو الأمر الذي اعتبره حتى أنصاره مخيبا للآمال، وتركيزه على خطة لا تحظى بالشعبية لرفع سن التقاعد، إلى جانب الارتفاع الحاد في التضخم.
في المقابل، قامت لوبن ـ اليمينية المتطرفة والمشككة في الاتحاد الأوروبي والمناهضة للهجرة ـ بجولة في ارجاء فرنسا والابتسامة تعلو وجهها وسط هتافات من أنصارها «سننتصر.. سننتصر». وقد تعزز موقفها من خلال التركيز المستمر منذ أشهر على تكاليف المعيشة والتراجع الكبير في الدعم لمنافسها في اليمين المتطرف إيريك زمور.
بيد أن استطلاعات الرأي كانت تشير حتى يوم الانتخابات، إلى أن ماكرون سيتصدر الجولة الأولى ويحقق الفوز في جولة الإعادة أمام لوبن في 24 الجاري، لكن عدة استطلاعات تقول الآن إن هذا يقع ضمن هامش الخطأ.
واحتل جان-لوك ميلانشون المركز الثالث في استطلاعات الرأي. ودعت حملته الانتخابية الناخبين اليساريين من جميع الأطياف إلى التصويت له لينال فرصة التأهل إلى جولة الإعادة.
وقالت لوبن في تجمع حاشد يوم الخميس الماضي «نحن مستعدون والفرنسيون معنا» وسط هتافات من أنصارها، ودعت إلى التصويت لها من أجل إنزال «العقاب العادل الذي يستحقه أولئك الذين حكمونا على نحو سيئ».
وأمضى ماكرون البالغ من العمر 44 عاما والذي يتولى السلطة منذ عام 2017 الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية في محاولة توضيح أن برنامج لوبن لم يتغير على الرغم من الجهود المبذولة لتلطيف صورتها وصورة حزبها التجمع الوطني. وقال لصحيفة «لو باريزيان»: «مواقفها الأساسية لم تتغير، فهي تنتهج برنامجا عنصريا يهدف إلى تقسيم المجتمع وهو قاس للغاية». وترفض لوبن مزاعم العنصرية وتقول إن سياساتها ستفيد كل الفرنسيين بغض النظر عن أصولهم. ووفقا لسيناريو تأهل ماكرون ولوبن لجولة إعادة، فإن الرئيس الفرنسي يواجه مشكلة، فقد أخبر العديد من الناخبين اليساريين منظمي استطلاعات الرأي بأنهم لن يصوتوا لصالح ماكرون في جولة الإعادة لمجرد إبعاد لوبن عن السلطة وذلك خلافا لما حدث في عام 2017.
وسيتعين على ماكرون إقناعهم بتغيير موقفهم والتصويت له في الجولة الثانية. ويبقى أمله في الحصول على العدد الأكبر من المترددين أو الذين لم يحسموا أمرهم.
وقال جان دانيال ليفي من مؤسسة «هاريس إنتراكتيف» لاستطلاعات الرأي عن محاولة لوبن الثالثة للوصول إلى قصر الإليزيه «مارين لوبن لم تكن قريبة من الفوز بانتخابات رئاسية بمثل هذا القدر من قبل».
ويتفق ماكرون ولوبن على أن النتيجة مفتوحة على كل الاحتمالات. وقالت لوبن لأنصارها «كل شيء ممكن» في حين حذر ماكرون أتباعه من التهوين من احتمالات فوز لوبن.
وحتى قبل يوم الانتخابات بدا الطامحون التسعة الآخرون بعيدين عن تحقيق هدفهم لا سيما مرشحة اليمين التقليدي فاليري بيكريس وزمور.
وفي الدورة الثانية، ترجح استطلاعات الرأي فوز إيمانويل ماكرون لكن بفارق ضئيل جدا، على لوبن مما يشير إلى أن فوز مرشحة اليمين المتطرف ممكن ويشكل إن تحقق سابقة مزدوجة في الجمهورية الخامسة تتمثل بتولي سيدة الرئاسة ووصول اليمين المتطرف إلى السلطة.