الاتفاق على عدم الاتفاق أمر يثير الدهشة والاستغراب، وهو أمر لا يستساغ ولا يقبل به أصحاب العقول المتفتحة النيرة، ولا يخلو من الهوج، وهو يعني أنه لا خط رجعة للحوار، ويبدو أن هناك كثيرا من الناس تبنوا هذه المقولة التي ما أنزل الله بها من سلطان، حتى أصبحت أمرا واقعا ملموسا، نراه في النقاشات العقيمة التي لا جدوى منها، فكيف يتسنى لنا أن نتفق على ألا نتفق؟
وعموماً، فهذه المقولة أطلقها جمال الدين الحسيني الأفغاني، حيث قال مخاطبا العرب في زمنه: شر أدواء العرب داء انقسام أهله، يتحدون على الاختلاف ويختلفون على الاتحاد، فقد اتفقوا ألا يتفقوا.
وقد أخذها السيد جمال الدين من العلامة المؤرخ ابن خلدون، الذي قالها منذ مئات السنين، وفي الوقت المعاصر استشهد بها الملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز آل سعود والرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وعموما فالاختلاف موجود منذ أن خلق الله الدنيا ومن عليها، ومن هنا قال أمير الشعراء أحمد شوقي أبياته المشهورة:
إلامَ الخلف بينكم إلاما
وهذي الضجة الكبرى علاما
وفيم يكيد بعضُكم لبعض
وتبدون العداوة والخصاما
لقد ظن واهما من سار على هذا النهج أن في الاتفاق على الاختلاف قوة! ولكن الحقيقة خلاف ذلك فهذه الاختلافات بين الدول والأفراد كلها اختلافات مصالح، ومطامع دنيوية ومن اجل المصالح تفرقوا وتشرذموا، ومن أجل المصالح أيضا اتفقوا، والمشكلة أن هناك أناسا يمجدون الفرقة ويضرمون نارها بل ويصفقون لها، وهذا هو الخطأ بعينه، وأكثر ما يغذي هذه المقولة «قلنا وقالوا وقيل وقال» وتاريخنا العربي مليء بحوادث اختلاف كانت نهايتها محزنة، فقد ولى هارون الرشيد ابنيه محمد الأمين وعبدالله المأمون ولاية العهد، وجعل الأمين أولا لأن أمه زبيدة بنت جعفر ابنة عمه فهو هاشمي الأبوين، فأقسما أمام الكعبة - شرفها الله- على الوفاء بالعهد، وألا يخون أحدهما الآخر، ثم مات الرشيد فتسلم الأمين الخلافة وبعد قليل بدا له أن يعزل أخاه المأمون، ويولي ابنه ولاية العهد، وزين له وزراء السوء هذا الأمر، فوقعت الحرب بين الأمين والمأمون زهقت فيها آلاف الأنفس، ثم كانت النتيجة رأس الأمين معلقا على رمح يطاف به في شوارع بغداد، وينادى عليه: هذا رأس المخلوع، والسبب الاتفاق على الاختلاف.
وعلى نفس الخط بدا لعبدالملك بن مروان أن يقدم ابنه الوليد على أخيه عبدالعزيز، وكان الأخير ولي عهده، فراسله وطلب منه ذلك، فرفض عبدالعزيز أن يتنازل عن حقه رفضا قاطعا فاختلفوا ووقعت بينهما القطيعة فأشار عليه قبيصة بن ذؤيب بالتريث وعدم الاستعجال، وقال له: ربما مات عبدالعزيز قبلك، فلا تقطع رحمك، وكان قبيصة بمنزلة الوزير عنده، فقبل عبدالملك مشورته وسكت عن هذا الأمر، فجاءه البريد بوفاة عبدالعزيز فولى ابنه الوليد ولاية العهد، وكفى الله المؤمنين شر القتال.
لذلك، إذا أردت أن تختلف فاختلف، ولكن راع ضميرك ولا تجحف، وفي النهاية ما رأيكم أن نتفق على أن نتفق، وألا نتفق على أن نختلف. ودمتم سالمين.