بقلم: د. أشرف رضا
[email protected]
يتمنى الطالب في المدرسة أن لا ينسى الدروس حتى لا يرسب في الامتحان؟
وإن شاخ الإنسان وأصابه داء الزهايمر طرق جبينه بيده محاولا التذكر، ولكن دون جدوى، وقد يتمادى به الحال فينسى كل شيء.
فسبحان الله القائل: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.
لكن كيف لو أن الإنسان لا ينسى؟ كيف سيكون حاله؟
تعالوا لأحدثكم عن آية من آيات الله الغريبة والعجيبة في البشر، فهناك حالة تسمى (متلازمة فرط الاستذكار)، وتسمى: (فرط الذاكرة)، أو (ذاكرة السيرة الذاتية المتفوقة للغاية).
وهي حالةٌ نادرةٌ جدا تجعل الشخص المصاب بها يتذكر كل لحظة في حياته، بكل تفاصيلها، ولا ينسى شيئاً مهما مرت السنوات.
ويُقدَّر أن عدد المصابين بها 60 شخصا على وجه الأرض أو أقل.
لكن هؤلاء الأفراد الموجودين الآن على وجه الأرض يمتلكون حالة لا يشابههم بها أحد من الناس أبدا.
فهم يعانون من عدم النسيان، وهذه الحالة النادرة تسبب لهم قلقا وتوترا وتعبا شديدا، بسبب تذكرهم لكل تفاصيل مجريات حياتهم اليومية، وبالتالي سيتذكرون التفاصيل المؤلمة والمحرجة منها.
(أستطيع تخيّل اليوم كما لو أنني عدت إلى هناك، وأعيش اللحظة من جديد).
(هناك أوقات أشعر فيها بأنني أمشي وسط البشر وجميعهم مصابون بفقدان الذاكرة).
(ذاكرتي أشبه بمكتبة من أشرطة الفيديو، لكنها لمشاهد في كل يوم من حياتي من الاستيقاظ إلى النوم).
هكذا يتحدث أولئك الذين يعانون من متلازمة فرط الاستذكار.
(برايس) امرأة من مواليد 1965م، تستطيع تذكر كل يوم من حياتها منذ أن كانت في 12 من عمرها، أو تحديدا منذ يوم الثلاثاء الخامس من فبراير 1980.
تخيل أن امرأة تتذكر كل تفاصيل حياتها، منذ أن تستيقظ إلى أن تنام كشريط فيديو يمر أمامها.
أصبحت (برايس) لاحقا موضوعا للمجلات والأفلام الوثائقية، كما ألفت عام 2008م كتابا أسمته: (المرأة التي لا تنسى)، توثق فيه تجربتها مع المتلازمة. ثم اكتُشفت حالات نادرة أخرى لأشخاص مثل (برايس)، وهم أقل من 60 شخصا يعيشون بيننا.
فهذه حالة نادرة غريبة وعجيبة سبحان الله، ولذلك يعد النسيان نعمة من الله، وسلوى للإنسان، ومندوحة في حياته، وإلا فإنه إن كان لا ينسى أبدا، ويتذكر كل شيء في حياته بالدقائق والساعات والأيام منذ صباه فإن سيعاني كثيرا، وسيتذكر كل أوقاته الحزينة والبائسة والمآسي التي مرت به.
والأعجب أنه من بين المصابين بهذه المتلازمة النادرة فتاة استرالية من مدينة بريسبان اسمها (ريبيكا شاروك)، هذه الفتاة تستطيع تذكر كل شيء منذ ولادتها بأسبوع واحد فقط.
تقول: (عندما كان عمري حوالي أسبوع واحد، أتذكر أنني كنت ملفوفة بهذه البطانية القطنية ذات اللون الزهري، وكنت دائماً أعرف أن أمي تحملني لسبب ما).
وعندما سألوها: ما هو أول شيء على الإطلاق تتذكريه؟
قالت (ريبيكا شاروك): (أتذكر أنني كنت في مكان مظلم، مع ضوء يميل للأحمر وأتذكر رأسي بين ساقيّ، لذلك أفترض أن ذلك حدث عندما كنت في رحم أمي لكنني لم أعرف عمري في ذلك الوقت. هذا هو أقرب شيء يمكن أن أعود إليه بالذاكرة، لأن ذكرياتي دائمًا تأتي في تسلسل زمني).
فسبحانه الله القائل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {سنقرئك فلا تنسى}، والقائل عن نفسه تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.
ثم هل أصل النسيان من الشيطان كما قال فتى موسى: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره}؟
وهل يمكن أن يتقدم الطب فيطور العلمُ العقلَ، فلا ينسى؟ فيكتشفون مكان داء النسيان؟
أم أن الله كتب على العباد أنه {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. فلا بد أن يضمحل التذكر، ويتلاشى العلم، كلما طال عمر الإنسان، ليعلم أن الكمال عزيز، وأن القوة لله سبحانه.
ليس هذا حديثنا، وإنما هي إشارة مني إلى أن هناك حالة نادرة جدا تسمى فرط الاستذكار، أو ذاكرة السيرة الذاتية المتفوقة، وهي التي لا توجد في البشر أبدا، ولا أظن التاريخ سجل حالات مثلها إلا في زماننا، وإنْ حَفِظَ العلماء والمحدثون كثيرا من الكتب والأحاديث والقصائد، فإنهم لا يصلون أبدا إلى مثل هذه الحالة النادرة والفريدة جدا في تذكر دقائق وتفاصيل الحياة كشريط فيديو تشاهده أمامك.
ومن الحالات النادرة الغريبة، ما يسميه الأطباء (عمى الألوان)، وتخيل إنسانا لا يرى سوى ألوان محددة، وفي حالات نادرة جدًا تقتصر رؤية على ثلاثة ألوان فقط، وهي: (الأسود، والأبيض، والرمادي)، ثم يكتش الطب نظارات تمكن المصابين بهذا الداء من رؤية كل الألوان أو أكثرها، ورأينا اندهاشهم بعد ارتدائهم لتلك النظارات وبكائهم وهم يشاهدون وجوه أمهاتهم وآبائهم وأهلهم والطبيعة من حولهم.
ومن عجائب الحالات النادرة، ما يسميه العلماء (شهوة الغرائب).
وأوضح صورة له: وحم النساء أثناء الحمل.
يصنف العلماء شهوة الغرائب باضطراب نفسي يتميز صاحبه باشتهاء أكل مواد ليست مغذية عادة.
ومن النادر في شهوة الغرائب، أن يأكل الإنسان التراب، أو الأحجار طباشيرية، أو ابتلاع المسامير والقطع الحديدية، أو ابتلاع كمية هائلة من الشعر.
وتعد حالة (ميشيل لوتيتو) المتوفى عام 2007 عن عمر 57 سنة، حالة مثيرة جدا، فهو فنان فرنسي، لكنه اشتهر بتناوله لأشياء غير قابلة للهضم. أصبح يُعرف باسم (السيد الذي يأكل كل شيء).
ومن قائمة الأشياء الغريبة التي أكلها:
(دراجات /عربة تسوق /سرير /زوج زلاجات /حاسوب/ طائرات سيسنا /فراش مائي /نعش بالمقابض /لوحة نحاسية).
وهذه حالة غريبة جدا، وإن بحثتم عنه ستجدون صورا غريبة له.
تخيل إنسانا يأكل طائرة؟!.
شيء لا يخطر ببال! ولا يصدقه عقل! ولكنه أمر حقيقي.