بيروت - ناجي شربل وأحمد عز الدين
استفاق اللبنانيون أمس على توسيع إسرائيل لهجماتها بشكل غير مسبوق على لبنان. وجاء ذلك بعد ليل أمطرت فيه السماء زخات من المطر، ترافقت مع زخات صواريخ الطائرات الحربية الإسرائيلية التي ضربت في الجنوب والبقاع الشمالي وصولا إلى جرد جبيل للمرة الثانية، بسقوط صاروخ في منطقة الوطى في جرد علمات، والتي تفصل بين مشاع علمات ومدينة قرطبا الجبلية الجبيلية واللقلوق.
«صاروخ جبيل» اعتبر بمنزلة رسالة إسرائيلية مفادها قصف كل الأماكن التي تتواجد فيها بيئة «حزب الله»، وهو سقط في منطقة صخرية وعرة، وربما استهدف إحدى المغاور. وكان صاروخ إسرائيلي سقط في منطقة صخرية ببلدة لحفد الجبيلية المتوسطة الارتفاع في «الشطيب الجردي» الشمالي للقضاء العام الماضي، وتردد انه سقط بالخطأ اثناء قصف إسرائيلي لمدينة حمص السورية.
واستهدف الطيــــران الإسرائيلي قضاء جبيل للمرة الثانية فأغار على تلة بين قرطبة ومزرعة السياد ما يشير إلى أن إسرائيل نقلت حربها من غزة إلى عمق لبنان.
وأعلن الجيش الإسرائيلي انه نفذ «ضربة محددة الأهداف في بيروت»، وذلك بعد ان نقلت مصادر أمنية انه استهدف حي ماضي بالضاحية الجنوبية لبيروت بعدة صواريخ، وأفيد بأن المستهدف هو القيادي رقم ٣ في حزب الله علي كركي.
وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة عدة تحديثات حول عدد الضحايا، حيث قالت ان «غارات العدو الإسرائيلي المتمادية على البلدات والقرى الجنوبية أدت إلى سقوط مئات الشهداء وإصابة أكثر من 1000 جريح، ومن بين الشهداء والجرحى أطفال ونساء ومسعفون». ودعا نقيب أطباء لبنان في بيروت البروفيسور يوسف بخاش الأطباء إلى الاستمرار على جهوزيتهم الكاملة، «نظرا لاتساع نطاق العمليات العسكرية وسقوط المزيد من المصابين، حفاظا على أرواح المتضررين وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم». وفي المقابل، أعلن «حزب الله» قصف المقر الاحتياطي للفيلق الشمالي وقاعدة تمركز احتياط فرقة الجليل ومخازنها اللوجستية في قاعدة عميعاد ومجمعات الصناعات العسكرية لشركة رفائيل في منطقة زوفولون شمال مدينة حيفا بعشرات الصواريخ.
وفي الضاحية الجنوبية، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية بأن عملية رفع الانقاض مستمرة في المبنى المستهدف الجمعة الماضي والذي قضى فيه قائد «قوة الرضوان» ابراهيم عقيل و14 من معاونيه وبلغت حصيلة الضحايا 50 قتيلا. ويجري البحث عن تسعة مفقودين لا يزالون تحت الانقاض، أو لم يجر التعرف اليهم بسبب تحولهم إلى أشلاء، بالإضافة إلى تأخر صدور نتائج فحص الحمض النووي العائد اليهم، بسبب استشهاد عائلات بأكملها مما يحتم أخذ عينات من أقرباء من صلة أبعد بالشهداء.
وفي أي حال، بدا ان موسم المطر في لبنان قد حمل معه ارتفاعا في وتيرة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، بعد ضربات قاسية وجهتها اليه الأسبوع الماضي بتفجير أجهزة اللاسلكي واغتيال عقيل.
وعلى رغم تسريب معلومات عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت ورئيس الأركان هرتسي هاليفي اتفقوا على عدم توسيع الحرب على لبنان وجعلها شاملة، مؤثرين تكثيف الضربات، الا ان الأمور على الأرض في الداخل اللبناني تشير إلى بلوغ الحرب الموسعة، في ضوء كثافة القصف الجوي الإسرائيلي وشموله مناطق واسعة وصولا إلى بلدة النبي شيت في البقاع الشمالي، وتخطي إسرائيل مسافة 125 كيلومترا في قصف عمق المناطق اللبنانية شمالي حدودها.
كل ذلك يشير إلى تدحرج الأمور، مع عودة الطلب على مساكن من قبل سكان بلدات اعتبرت نائية في الجنوب في قضاء الزهراني وشرق صيدا، ورغبة عدد من أهاليها النزوح إلى مناطق بعيدة آمنة، إلا أن «صاروخ جبيل» أربك الحسابات، من دون ان يخفف من كثافة الطلب على منازل ووحدات سكنية وشاليهات في المجمعات البحرية التي شارفت إنهاء موسمها الصيفي.
رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب مقياتي قال أثناء جلسة للحكومة في السرايا قبل ظهر أمس: «إن ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة بشأن مخاوفه من تحويل جنوب لبنان إلى غزة ثانية وأنها حرب يجب أن تنتهي. هذا الموقف يجب ان يكون حافزا للجميع لاسيما لدول القرار للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها وتطبيق القرار الدولي رقم 2735 الصادر عن مجلس الأمن وحل القضية الفلسطينية على قاعدة اعتماد حل الدولتين والسلام العادل والشامل».
وأضاف: «إن العدوان الإسرائيلي المتمادي على لبنان حرب إبادة بكل ما للكلمة من معنى، ومخطط تدميري. وفي كل الاتصالات التي نقوم بها، ندعو الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الفاعلة إلى الوقوف مع الحق، وردع العدوان. ونجدد التزامنا بالقرار 1701 في شكل كامل. ونعمل كحكومة على وقف الحرب الإسرائيلية المستجدة، ونتجنب قدر المستطاع الوقوع في المجهول».
توازيا، فوجئ المواطنون اللبنانيون بتلقي رسائل هاتفية إسرائيلية تطالبهم بإخلاء منازلهم تحت طائلة استهدافها، وبينها اتصال ورد على مكتب وزير الاعلام في حكومة تصريف الأعمال المهندس زياد مكاري في مقر الوزارة بشارع الحمرا في بيروت.
ورد مكاري ببيان قال فيه: «إن العمل في وزارة الإعلام مستمر وطبيعي، وجميع العاملين منصرفون إلى مهماتهم اليومية التي تفوق أي رسائل أهمية في هذا الظرف الدقيق، وندعو إلى عدم إعارة الأمر أكثر مما يستأهل، علما أنه محل متابعة من الجهات المعنية».
صحيح ان المدارس والجامعات فتحت أبوابها أمس إنفاذا لقرار وزير التربية عباس الحلبي، مع ترك القرار لمديري المدارس الواقعة في مناطق ساخنة بتعليق الدروس من عدمها، قبل أن يصدر الحلبي ظهرا قرارا بتعليق الدروس في الجنوب والبقاع والضاحية أمس واليوم (الاثنين والثلاثاء).. وطغى التوتر على حركة المواطنين الذين لمسوا ان طبول الحرب الواسعة مع إسرائيل يرتفع إيقاعها ويتخطى صوت العواصف الرعدية.
في المقابل، أكد مصدر سياسي رسمي لبناني رفيع لـ «الأنباء»، ان العمل «جار لتأمين عودة الهدوء والاستقرار، على رغم ارتفاع هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية».
وقال: «نجري اتصالات مكثفة مع أصدقائنا الأوروبيين والأميركيين والعرب للوصول إلى تهدئة، وبالحد الأدنى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل تدحرجها اعتبارا من الثلاثاء الماضي».
وكشف عن «تلقينا طلبات بمنح إسرائيل ضمانات لحدودها الشمالية، في وقت تواصل فيه إسرائيل دك غالبية المناطق اللبنانية بصواريخ طائراتها الحربية، فضلا عن تنفيذها عمليات اغتيال جماعية غير مسبوقة في تاريخ الحروب. ونحن نطلب التقيد بالقرارات الدولية وفي طليعتها القرار 1701، الذي لم تلتزم به إسرائيل يوما منذ أغسطس 2006، بإمعانها خرق السيادة اللبنانية جوا وبحرا، واستمرارها في احتلال جزء من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. يطلبون منا (المجتمع الدولي) وقف التصدي للهجمات الإسرائيلية بكشف المقاومة ونزع سلاحها، في وقت تتعرض فيه الأخيرة لمحاولة تصفية إسرائيلية كاملة، تتعداها وتطول كل لبنان كما حصل في حرب يوليو 2006».
وتحدثت مصــــادر ديبلوماسية لـ «الأنباء» عن ان «فرنسا تعمل على خطين متوازيين، الأول عبر المسعى الدولي من خلال الأمم المتحدة. والثاني عبر موفدها إلى لبنان جان إيف لودريان الذي يصر على التحرك، على رغم إشارات سلبية تلقاها من أكثر من جهة لبنانية دعته إلى عدم الحضور إلى البلاد، لان الأرضية غير صالحة للبحث في اتفاقات داخلية في الظروف الحالية».