إن المواقف الإنسانية التي تحزّ بالنفس لا تُنسى، خاصة إذا كانت من الواقع الذي نعيشه، فقبل سنوات هممت بشراء بيت للسكن، واستأذنت صاحب البيت أن أشاهده فتجولت في أركان البيت، وفي زاوية البيت من الخارج شاهدت غرفة مبنية من الصفيح الحديدي، فدخلتها وإذا بشيخ ناهز الثمانين نائما على فراشه من غير ضوء أو تكييف، فأدركت أنه والد صاحب البيت، فآلمني المنظر، فانصرفت مسرعا، وقلت في نفسي إن شخصا يعق أباه لا يمكن أن يصدق معي، ولسان حال الأب الكبير يقول:
ما ولدا حل داخل الكبد
خالفت أمري فزدت في كمدي
والله يا قوم ما عققت أبي
فليت شعري لم عقني ولدي
إن بر الوالدين هو: التوسع في الإحسان إليهما وضده العقوق.
من آداب بر الوالدين مخاطبة الوالدين بألفاظ التوقير، مع خفض الصوت والاستماع لهما، وعدم مقاطعتهما والدعاء لهما والاعتراف بفضلهما، وشكرهما، وعدم حدّ النظر إليهما، أو المشي أمامهما إلا لنفعهما، أو الاتكاء عليهما، أو تسميتهما بأسمائهما، النفقة عليهما، والحج والاعتمار عنهما إن عجزا عن ذلك، وإلقاء السلام عليهما عند الدخول والخروج، واستئذانهما قبل السفر، أو الدخول عليهما، وعدم بدء الطعام أو الشراب قبلهما، والمداومة على زيارتهما، وملء الفراغ عندهما بما ينفعهما، والصلاة عليهما بعد موتهما ودفنهما.
والابن البار هو من يؤثر رضا والديه على رضا نفسه وأولاده والناس أجمعين، ويطيعهما في كل ما يأمرانه به من معروف، وأن ينتهي عن كل ما ينهيانه عنه، سواء وافق رغباتهما أم لم يوافقها ما لم يأمرانه بمعصية، ويقدم لهما كل ما يلحظ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه عن طيب نفس وسرور، مع شعوره بتقصير في حقهما ولو بذل لهما حياته وماله. ويستمر بره لهما حتى بعد مماتهما، وأن يلهج بالدعاء لهما، وصلة أصدقائهما، وبالأخص بعد وفاتهما.
ومن فوائد بر الوالدين أنه من كمال الإيمان وحسن الإسلام، وأجل الطاعات، وطريق موصل إلى الجنة، وهو الطريق للزيارة في العمر والنماء في المال والنسل، ورفع الذكر في الآخرة، وحسن السيرة في الناس، وبر الوالدين يُفرج الكرب، ومن يحفظ ود أبيه لا يطفأ الله نوره، وسبب لغفران الذنوب، واستجابة الدعاء، وبر الوالدين من الجهاد.
إن بر الوالدين ضروري، ومن أهم ضرورات الحياة، فلا يخطر ببال مؤمن عاقل أن يكون عاقا لوالديه، لأن أمر البر يفرضه الدين، والمؤمن يحترم الرجل الكبير والمرأة المسنة، فكيف إذا كان هذا المسن أبي أو أمي، فليس من المعقول في مجتمع مسلم أن يهان أب من ابن راشد أو بنت راشدة، فلذا نحن بحاجة ماسة جدا إلى بر الوالدين، فإذا لم يبر الابن أباه وأمه فمن يبرهما؟!