صور الشاعر أحمد شوقي صورة الرياض الغناء وفيها قبّرة ترسل النصائح لصغيرها المستعجل على الطيران بالتأني وحذرته من عاقبة التعجل قبل أوان الشيء، والتأني يعني عدم العجلة في طلب شيء من الأشياء والتمهل في تحصيله والترفق فيه، وقد ورد التأني في القرآن الكريم على صور متعددة لأخذ العبرة كما في قوله تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه) طه: 114.
أي: لا تبادر بتلقف القرآن حين يتلوه عليك جبريل، واصبر حتى يفرغ منه، فإذا فرغ منه فاقرأه، فإن الله قد ضمن لك جمعه في صدرك وقراءتك إياه. ولما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم على تلقف الوحي ومبادرته إليه تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم فإن العلم خير وكثرة الخير مطلوبة وهي من الله والطريق إليها الاجتهاد والشوق للعلم وسؤال الله والاستعانة به والافتقار اليه في كل وقت.
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة الأدب في تلقي العلم وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض فإذا فرغ منه سأل إن كان عنده سؤال ولا يبادر بالسؤال وقطع كلام ملقي العلم فإنه سبب للحرمان وكذلك المسؤول ينبغي له ان يستملي سؤال السائل ويعرف المقصود منه قبل الجواب فإن ذلك سبب لإصابة الصواب.
فإذا ما كان التأني مطلوبا من النبي صلى الله عليه وسلم حين تنزل القرآن عليه، فإن التأني يكون مطلوبا من الإنسان في أمور حياته كلها.
ولما كان التأني من الاخلاق المهمة في حياتنا جاءت النصوص النبوية موافقة للقرآن الكريم، ومنها: حديث أشج عبد القيس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة».
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة». والتؤدة: بضم التاء وفتح الهمزة أي التأني (في كل شيء) أي: مستحسن (إلا في عمل الآخرة) أي: لأن في تأخير الخيرات آفات، ومن التؤدة الخروج للمسجد بالسكينة والوقار في مشيه الى الجمعة بتقصير الخطا، ومن التؤدة عدم العجلة في الطلاق، ومن التؤدة عدم العجلة في سير المركبات في الطرق، فالتؤدة مطلوبة في كل شيء من أمور حياتنا، حتى في الدعاء ينبغي الا يعجل فييأس من الإجابة فيترك الدعاء.
وقد قيل: ان العاجل لا يكاد يلحق، كما ان الرافق لا يكاد يسبق، والساكت لا يكاد يندم، ومن نطق لا يكاد يسلم، وإن العجل يقول قبل ان يعلم، ويجيب قبل ان يفهم ويحمد قبل ان يجرب.
ومن فوائد التأني انه يؤدي إلى إجابة الدعاء والأناة والحلم من الصفات التي يحبها الله ورسوله وبالتأني يتبين القضاء ويصلح أمر القضاة، والتأني يؤدي الى عدم وقوع العالم في كراهية الحديث عند من لا يقبلون عليه كما يؤدي الى عدم وقوعه في الخطأ، وهو نوع من السكينة المحمودة.
يجب التأني في الأمور وعدم الاستعجال في دراستها او الحكم عليها، وذلك انه مع العجلة قد يخفى على الانسان اشياء من مهمات امره الذي يريد العمل فيه أو التحدث عنه، فالقاعدة في معظم الاشياء التأني والتثبت حتى يتميز النافع من الضار والصواب من الخطأ والمصلحة من المفسدة، ومن ذلك الحكم على الآخرين فإنه يطلب فيه التأني فيه، فلا تستعجل بارك الله فيك في عملك او اصدار احكامك على أحد الا بعد التريث والنظر الطويل وفهم الواقع الفهم الذي يجعلك على نور من الله في هذا العمل الذي تريد تنفيذه او الحكم الذي تريد اصداره، فإنه ما ندم في احكامهم أو في اعمالهم الا المتعجلون الذين يبنون اعمالهم على خبرة غير ناضجة ولا احكامهم الا على الاشاعات والظنون الكاذبة والهوى والتخرص والنميمة ممن لا خلاق له وهؤلاء لا يمثلون أهل النجاح في العمل ولا في الحكم والعلم بل هم غوغائيون مجانبون للصواب فيما استعجلوا فيه، وأما المتأنون الذين يدرسون الامر من كل جوانبه وينظرون في العواقب والمفاسد والمصالح فإنهم هم الموفقون المهتدون الذين تنتفع الأمة بأعمالهم وبأحكامهم ويكونون نبراسا يستضيء الناس به، فمن اراد النجاة من هوة العجلة واثارها السيئة فعليه بالتأني والرفق في أموره كلها.