بقلم: طارق الوزان.. باحث في الشؤون النفطية
أولا: مفترق التحول… والفرصة التي لا تحتمل التأجيل
تشهد الكويت اليوم تحديات اقتصادية هيكلية غير مسبوقة، تهدد استدامة نموذجها الريعي الذي اعتمد لسنوات على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل. ففي ظل تقلبات أسعار النفط، وارتفاع النمو السكاني، واستمرار الإنفاق الجاري الذي تجاوز 85% من الميزانية العامة، تتآكل القدرة التمويلية للدولة على الوفاء باحتياجاتها التنموية. والأسوأ من ذلك أن مساهمة القطاع الصناعي غير النفطي لاتزال دون 6% من الناتج المحلي، وهي من أدنى النسب خليجيا، ما يعكس هشاشة القاعدة الإنتاجية وضعف التنويع.
ومع دخول أكثر من 14،000 خريج سنويا إلى سوق عمل لا يوفر فرصا إنتاجية حقيقية، يتعاظم الضغط الاقتصادي والاجتماعي، وتبرز الحاجة إلى إعادة رسم العلاقة بين المال والإنتاج، وتحويل البنوك الوطنية من مجرد مؤسسات إقراض إلى أدوات سيادية تسهم في بناء اقتصاد صناعي متنوع ومستدام.
وقد قدم مشروع «أكوا باور» بتحالف سعودي ـ كويتي نموذجا رائدا لهذا التحول، حيث تجاوزت قيمة المشروع الاستثماري مليار دينار، بتمويل من كيانات سيادية كويتية، ما يؤكد أن رأس المال الوطني قادر على قيادة مشاريع استراتيجية ضخمة إذا تم توجيهه برؤية واضحة وأدوات مؤسسية فعالة.
يتسق هذا التحول المنشود مع رؤية الكويت 2035، خاصة في محاور «تنويع الاقتصاد»، و«زيادة مشاركة القطاع الخاص في التنمية»، مما يجعل المشروع ليس مجرد مبادرة اقتصادية، بل لبنة أساسية في تنفيذ الرؤية الوطنية الكبرى.
ثانيا: من التمويل إلى التمكين...
عبر تأسيس شركات وطنية واكتتابات عامة
تثبت التجارب الدولية أن البنوك ليست فقط خزائن للسيولة، بل أدوات استراتيجية للتنمية متى ما وضعت في الإطار المؤسسي الصحيح. ففي الولايات المتحدة، تحول بنك JP Morgan إلى شريك تمويلي لمشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة. وفي سنغافورة، لعب بنك DBS دورا محوريا في تمويل المشاريع التكنولوجية والناشئة، ما ساهم في تحويل البلاد إلى مركز اقتصادي عالمي. أما في الصين، فقد شكل بنك ICBC الذراع المالية الأساسية للنهضة الصناعية الكبرى.
هذه التجارب تظهر أن البنوك يمكن أن تنشئ ـ بالتعاون مع الدولة وصناديقها السيادية ـ شركات وطنية استثمارية في قطاعات الصناعة، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتكنولوجيا. ويتم تمويل هذه الشركات عبر أدوات مصرفية ميسرة، مع توفير الضمانات من قبل الدولة أو الصناديق التنموية.
وبعد تحقيق النجاحات التشغيلية والربحية، يمكن تحويل هذه الكيانات إلى اكتتابات عامة (IPO) في السوق المحلي، بما يحقق:
٭ استرداد رأس المال للمؤسسين (البنوك والصناديق).
٭ فتح المجال للمواطنين والمستثمرين للمشاركة في الثروة الإنتاجية.
٭ ترسيخ الشفافية والحوكمة المؤسسية.
٭ تنشيط البورصة كمحرك للتنمية الاقتصادية، بدلا من كونها مجرد أداة تداول استهلاكي.
إن هذا النموذج القائم على التحالف بين الدولة والبنوك والمواطنين عبر شركات إنتاجية وطنية قابلة للإدراج، يمثل مسارا عمليا واقعيا لتحقيق التحول الصناعي دون الاعتماد المفرط على الدولة، ودون الانسياق وراء الخصخصة غير الناضجة.
ثالثا: «الكويت عاصمة للنفط»... منصة للتصنيع التحويلي
تشكل مبادرة «الكويت عاصمة للنفط»، التي تبنتها لجنة الشؤون النفطية في مجلس الأمة، أساسا استراتيجيا لإعادة توجيه الثروة النفطية نحو التصنيع. فبدل تصدير المواد الخام بأسعار متذبذبة، بات من الضروري تصنيعها محليا وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مثل البوليمرات، المواد المركبة، الألياف الصناعية، الأدوية، والمكونات الإلكترونية.
وتوفر شركة «إيكويت» البتروكيماوية أكثر من 6 ملايين طن سنويا من المواد الخام الأساسية مثل الإيثيلين، البولي إيثيلين، وجلايكول الإيثيلين، وهي كافية لإطلاق عشرات الصناعات التحويلية، إذا ما تم تسخير التمويل والمؤسسات المناسبة. وتشير بيانات الإدارة المركزية للإحصاء إلى أن واردات الكويت من منتجات بلاستيكية وطبية وإلكترونية تجاوزت 800 مليون دينار عام 2024، ما يعني أن هناك سوقا جاهزة لإحلال الصناعة الوطنية بدل الاستيراد.
رابعا: تحالف مالي ـ صناعي بقيادة وطنية
انطلاقا من هذه الضرورة، علينا إنشاء تحالف وطني يقوده البنك الوطني الكويتي، وتشارك فيه البنوك التجارية، البنك الصناعي، الهيئة العامة للاستثمار، مؤسسة التأمينات، الأوقاف، وبيت الزكاة، بهدف توجيه السيولة الوطنية نحو مشاريع صناعية حقيقية، وتحويل التمويل من نشاط تقليدي إلى دور تنموي وطني.
وتشير أرقام البنك المركزي إلى أن إجمالي الودائع في النظام المصرفي تجاوز 50 مليار دينار بنهاية 2024، في حين لم يتجاوز التمويل الموجه مباشرة إلى القطاع الصناعي نسبة 2%، وهي فجوة هائلة وفرصة ضائعة إن لم تتحرك الدولة لتحويل هذا الكم من السيولة إلى طاقة إنتاج.
لحماية هذه الاستثمارات طويلة الأمد، يوصى بإصدار قانون خاص للاستثمارات الصناعية الجديدة، يضمن استقرار الأنظمة الضريبية، ويوفر حماية قانونية للمستثمرين المحليين والأجانب لمدة لا تقل عن 15 عاما.
خامسا: الصندوق الوطني للتحول الصناعي
يقترح ضمن هذا التحالف إنشاء صندوق وطني للتحول الصناعي، برأسمال لا يقل عن 10 مليارات دينار كويتي، بتمويل مشترك من الحكومة بنسبة 50%، والقطاع البنكي بنسبة 50%، على أن يدار باستقلالية مهنية، ووفق أفضل معايير الحوكمة والشفافية.
سيقدم الصندوق أدوات تمويل مرنة تشمل القروض الميسرة، التمويل الإسلامي (مرابحة، مضاربة، إيجارة)، مساهمات في رأس المال، وضمانات لتقليل المخاطر على المستثمرين ورواد الأعمال. كما سيخصص جزءا من رأسماله لدعم الصناعات التكنولوجية والدوائية والمشروعات ذات القيمة التقنية العالية. ويتوقع أن يحقق عائدا لا يقل عن 12% سنويا، مع فترة استرداد لا تتجاوز 7 سنوات، ما يجعله مشروعا تنمويا مجديا اقتصاديا.
لضمان متابعة دقيقة لمخرجات الصندوق، يقترح إنشاء وحدة مركزية لقياس الأداء الصناعي، تعتمد مؤشرات مثل:
٭ نمو مساهمة الصناعة بالناتج المحلي.
٭ عدد المشاريع الصناعية الجديدة.
٭ معدل الإحلال محل الواردات.
ولزيادة فعالية إدارته، يوصى بإدماج منهجية ماكنزي 7S في تأسيس الصندوق، لضمان تكامل الاستراتيجية، الهيكل، الأنظمة، الموارد البشرية، المهارات، القيم المشتركة، والأسلوب القيادي في منظومة واحدة متناغمة.
سادسا: الصناعات المستهدفة ذات الجدوى والعائد
سيوجه التمويل إلى الصناعات القائمة على موارد «إيكويت»، وعلى رأسها: عبوات PET والتغليف البلاستيكي، سوائل التبريد والمكونات الميكانيكية، الألياف الكربونية ومواد الطيران، المستهلكات الطبية، والمكونات الإلكترونية الدقيقة. وقد تم اختيار هذه الصناعات بناء على تحليل فجوات الاستيراد المحلي، ومستوى الطلب العالمي، وقدرتها على التصدير، ومعدلات التوطين التشغيلي العالية التي توفرها.
لتحقيق الاستدامة التشغيلية لهذه الصناعات، ينبغي ربطها ببرامج تعليم تقني وتدريب تطبيقي، بالتعاون مع هيئة التعليم التطبيقي والجامعات، لتخريج كوادر وطنية مؤهلة للوظائف الفنية والإدارية.
تتطلب هذه الصناعات بنية تحتية ذكية ومؤتمنة، بما في ذلك تقنيات التصنيع الذكي والرقمنة الصناعية، وسلاسل الإمداد الذكية، مما يرفع من الإنتاجية ويعزز التنافسية.
سابعا: شراكات إستراتيجية مع عمالقة الصناعة العالمية
تحتاج الصناعة الكويتية اليوم إلى إعادة صياغة نموذج شراكاتها الاستراتيجية مع عمالقة البتروكيماويات، بهدف تجاوز دورها التقليدي كمصدر للمواد الخام، والتوجه نحو توطين التكنولوجيا المتقدمة، واختراق الأسواق العالمية، وتبني ثقافة الابتكار الصناعي.
فالشراكة مع شركات عالمية رائدة مثل BASF، SABIC، Dow، LG Chem، وMitsubishi Chemical لا توفر فقط نقلا مباشرا للتقنيات الحديثة وخبرات التصنيع المتطور، بل تفتح أيضا آفاقا جديدة للوصول إلى الأسواق الدولية عبر عقود شراء مضمونة، وتدعم تأسيس مراكز أبحاث وتطوير داخل الكويت، وتسهم في تنمية المهارات الوطنية وخلق وظائف نوعية، مما يعزز من قدرة الدولة على بناء قاعدة صناعية تنافسية مستدامة تشكل ركيزة للأمن الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
ثامنا: بيئة استثمارية محفزة ومنصة تنفيذية ذكية
لضمان فاعلية هذا التحول لا بد من بناء منظومة استثمارية محفزة تشمل إعفاءات ضريبية تصل إلى 10 سنوات، وتسهيلات جمركية، وتخصيص أراض صناعية مجهزة بالبنية التحتية، بالإضافة إلى دعم إنشاء مراكز أبحاث وابتكار، وضمان الاستقرار التشريعي من خلال آليات تحكيم مستقلة.
ويقترح تأسيس مدينة صناعية ذكية تضم مجمعات صناعية متخصصة، مراكز تصدير، حاضنات أعمال، ومراكز تطوير وابتكار، بإدارة مستقلة ومؤشرات أداء دقيقة تشمل:
٭ عدد المشاريع.
٭ الوظائف.
٭ نسب الإحلال محل الواردات.
٭ القيمة المضافة.
تاسعا: نتائج قابلة للتحقيق خلال خمس سنوات
إذا ما تم تنفيذ هذه الخطة، فمن المتوقع خلال أول خمس سنوات:
٭ تمويل أكثر من 200 مشروع صناعي.
٭ خلق ما لا يقل عن 15 ألف وظيفة مباشرة.
٭ إحلال 30% من الواردات.
٭ رفع مساهمة القطاع الصناعي غير النفطي من 6% إلى 20% من الناتج المحلي.
عاشرا: القرار السياسي هو نقطة التحول
لكن هذا الحلم لن يتحول إلى واقع إلا إذا صدر قرار سيادي من مجلس الوزراء يتبنى المشروع رسميا، ويلزم الجهات المعنية بتأسيس التحالف والصندوق ضمن جدول زمني محدد، وتحت إشراف مباشر من القيادة العليا للدولة.
فغياب الغطاء السياسي سيجعل هذه الرؤية تضاف إلى سجل الدراسات المؤجلة، رغم أنها قابلة للتنفيذ الفوري وتملك كل شروط النجاح.
ولضمان التنفيذ المؤسسي الفعلي، يقترح إصدار مرسوم بقانون أو تضمين المشروع ضمن برنامج عمل الحكومة المعتمد من مجلس الأمة، مما يمنحه قوة قانونية إلزامية، ويجعل متابعته جزءا من التزامات الدولة الرسمية.