- البلاد تمضي نحو اقتصاد متنوع يعيد تعريف موقعها في المشهد الخليجي
- مشاريع البنية التحتية والفنادق الجديدة تعزز جاذبية السوق السياحية
- مطار الكويت الدولي الجديد.. بوابة لدعم حركة السياحة والطيران الإقليمي
حين يهبط المسافر في مطار الكويت الدولي، تلتقط عينه أول خيط من القصة: بلد يعيد تقديم نفسه للعالم، لا بصفته مركزا نفطيا فحسب، بل وجهة سياحية تعيد اكتشاف ورسم هويتها لتصبح وجهة سياحية فاعلة. في الصالات الحديثة المزدحمة بالعائلات الخليجية والمسافرين القادمين من مختلف الدول العربية والعالمية، تظهر لافتة إلكترونية مضيئة كتب عليها: «حياكم الله في دولة الكويت».. الوجهة الأقرب إلى قلب الخليج. من تلك اللحظة تبدأ القصة، قصة بلد قرر أن يجعل من السياحة أحد روافده الاقتصادية الجديدة، ضمن خطة وطنية طموحة تمتد إلى عام 2035، تحت شعار «كويت جديدة».
السياحة محرك تنويع اقتصادي
تضع الكويت ضمن استراتيجيتها التنموية رؤية واضحة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، عبر تطوير قطاعات جديدة أبرزها، السياحة والخدمات والترفيه والثقافة، ولا تقتصر هذه الرؤية على تحديث البنية التحتية، بل تمتد إلى إعادة تعريف موقع الكويت في المشهد الاقتصادي الإقليمي كمركز تجاري وثقافي وسياحي.
وهذه الخطوات تأتي في سياق تنافسي خليجي متسارع، حيث تتجه دول المنطقة نحو بناء اقتصادات غير نفطية مستدامة، وتجعل من السياحة عنصرا رئيسيا في تحقيق رؤى 2030 و2035 على مستوى الخليج بأكمله.
مشهد حضاري ينبض بالحياة
من العاصمة إلى أطراف الصحراء، تمضي الكويت بخطى متزنة نحو بناء وجهتها الاقتصادية الجديدة، في المدينة تتلألأ المراكز التجارية الحديثة مثل الأفنيوز، والخيران مول، و360 مول، والكوت مول، حيث تمتزج العلامات العالمية بالمطاعم الراقية والمقاهي التي تعج بالزوار حتى ساعات متأخرة من الليل، وفي المساء، تحتضن قاعات مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي حفلات ومسرحيات عربية وعالمية، في مشهد يعكس التقاء الحداثة الثقافية بالحيوية السياحية، أما المركز العلمي فيشع نورا وجمالا برحلاته العلمية الشيقة التي تلهم الكبير قبل الصغير. أما في فصل الشتاء فتتحول المناطق الصحراوية إلى وجهة لعشاق الرحلات البرية والتخييم، ضمن مشاريع منظمة ومدعومة من القطاع الخاص، لتصبح السياحة البرية جزءا من الهوية الترفيهية الجديدة للبلاد.
فعاليات ومهرجانات
خلال عامي 2024 و2025، استضافت الكويت سلسلة من الفعاليات الإقليمية والدولية التي جذبت آلاف الزوار من المهرجانات الثقافية والفنية إلى البطولات الرياضية والمؤتمرات الاقتصادية.
وهذه الأحداث لم تعد مجرد عروض جماهيرية، بل أصبحت أدوات اقتصادية تسهم في تحريك الإنفاق المحلي وتنشيط قطاعات الطيران والضيافة والتجزئة.
وفي الآونة الأخيرة، شهدت الكويت شراكات استراتيجية مع عدة شركات عالمية ومحلية في قطاع السياحة والترفيه أنتجت فعاليات ومشاريع ترفيهية ناجحة منها، افتتاح مشروع (ونتروندرلاند الكويت) أضخم تجمع ترفيهي في البلاد وافتتاح مشروع حديقة جنوب الصباحية وتطوير وافتتاح شاطئ البلاجات (المرحلة الأولى).
وتستهدف استراتيجية شركة المشروعات السياحية تنفيذ مشاريع سياحية وترفيهية تسهم في تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل للكويتيين وتعزيز بناء اقتصاد وطني مزدهر، وتشمل قائمة المشاريع الترفيهية مشروع استراحة جنوب النويصيب جنوب البلاد ومشروع حديقة جنوب الصباحية ومشروع منتزه المنقف، علاوة عن مشروع شاطئ المسيلة والعقيلة ومواقع مطاعم برج الحمام وقرية الضيافة، إضافة إلى مشروع تطوير نادي اليخوت ومجمع الأحواض.
قفزة في الإنفاق السياحي
وفق بيانات بنك الكويت المركزي، بلغ حجم الإنفاق السياحي في عام 2024 نحو 692.5 مليون دينار (2.26 مليار دولار)، فيما سجل الربع الأول من عام 2025 إنفاقا قدره 206.3 ملايين دينار، بنسبة نمو تجاوزت 21% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، هذه الأرقام الاستثنائية تعكس تحول الكويت من وجهة عبور إلى وجهة إقامة وتجربة.
وتظهر الأرقام ان الكويت عادت بقوة لتكون بين أكبر 10 دول عربية في نمو إيرادات السياحة خلال 2024، إذ حقق إجمالي إيرادات بلغ 2.3 مليار دولار، لتصبح البلد الوحيد الذي حقق أعلى نمو في الإيرادات السياحية خلال العام الماضي مقارنة بعام 2023.
تسهيلات الدخول
ساهمت وزارة الداخلية في هذا التحول عبر سياسات انفتاح ذكية، أبرزها توسيع نظام التأشيرات عند الوصول للمقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي من أصحاب المهن العليا، والسماح بدخول عائلاتهم، إلى جانب تفعيل منصة التأشيرات الإلكترونية الموحدة، وهذه الإجراءات جعلت الكويت من بين أكثر الدول الخليجية مرونة في استقبال الزوار، وأسهمت في زيادة الرحلات الخليجية بنسبة قاربت 30% خلال موسم الصيف الماضي.
البنية التحتية.. رهان النجاح
وراء هذا النشاط المتسارع، تقف مشاريع بنية تحتية طموحة، فمطار الكويت الدولي الجديد، أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية، يستعد لاستقبال أكثر من 25 مليون مسافر سنويا، ليكون بوابة رئيسية تدعم حركة السياحة والطيران الإقليمي، وفي موازاة ذلك، ارتفع عدد الفنادق ذات التصنيف العالي بأكثر من 35% خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مع دخول علامات فندقية عالمية جديدة إلى السوق المحلية.
كما شهدت خدمات النقل الداخلي تطورا لافتا مع انتشار تطبيقات سيارات الأجرة الذكية وتوسيع شبكات الطرق لتسهيل التنقل بين الوجهات السياحية.
تجربة تجمع بين الحداثة والأصالة
ما يميز التجربة السياحية في الكويت هو الجمع بين الأصالة والحداثة، فالزائر يجد في مركز الشيخ جابر الثقافي تجربة فنية معاصرة، ثم ينتقل إلى سوق المباركية ليستحضر روح الكويت القديمة وعبق تاريخها. وفي المقاهي الحديثة المطلة على الأبراج الزجاجية، تمتزج اللهجة الخليجية بالإنجليزية والفرنسية في مشهد يعكس تنوع الكويت الثقافي وانفتاحها. كما أن السياحة في الكويت لم تعد محصورة في التسوق أو الإقامة، بل أصبحت تجربة حضارية متكاملة تشارك فيها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، ومع استمرار تنفيذ المشاريع الكبرى وازدياد الفعاليات الدولية، يبدو أن الكويت تمضي بخطى ثابتة نحو صناعة سياحية مستدامة تعيد رسم موقعها الاقتصادي في قلب الخليج.
ويرى مراقبون أن السياحة باتت اليوم أحد المؤشرات النوعية على تنويع الاقتصاد الكويتي، إذ تمثل منصة لخلق فرص العمل، وتنشيط الاستثمار في قطاعات النقل والضيافة والتجزئة والخدمات الرقمية، ويؤكد محللون أن نجاح الكويت في بناء منظومة سياحية مستدامة يعتمد على استمرار التكامل بين القطاعين العام والخاص، وعلى تطوير بيئة تشريعية وتنظيمية تدعم الاستثمار طويل الأمد في السياحة والخدمات. ومع مضي البلاد في تنفيذ مشاريعها ضمن رؤية 2035، تبدو ملامح التحول الاقتصادي أكثر وضوحا في أن الكويت لا تكتفي بتصدير النفط، بل تصدر التجربة، والثقافة، والانفتاح.