مفرح الشمري
شكلت الموسيقى اللبنانية، ولاسيما عبر تجربة الأخوين رحباني (عاصي ومنصور)، منعطفا حاسما في مسار الموسيقى العربية الحديثة، فقد استطاعا، منذ خمسينيات القرن العشرين، أن يؤسسا مشروعا موسيقيا متكاملا جمع بين الأصالة العربية والانفتاح الواعي على الموسيقى الغربية، وأسسا هوية لبنانية خاصة أثرت بعمق في الذائقة العربية، وامتد تأثيرها إلى التلحين، والتوزيع، والأغنية، والمسرح الغنائي.
فن الرحابنة
وفي هذا السياق، أقيمت ندوة ثقافية في جمعية الخرجين أمس الأول وتحديدا في قاعة الشهيد مبارك فالح النوت من تقديم الموسيقار د. عبدالله المصري، وادارة الكاتب عبدالوهاب الحمادي، وحملت عنوان «أثر الموسيقى اللبنانية على الموسيقي العربية (الأخوين الرحباني نموذجا).
انطلقت الندوة بكلمات ترحيبية من عريفها الحمادي موجها شكره لجمعية الخريجين على احتضانهم لهذه الندوة الثقافية والتي تعتبر دراسة تحليلية لاثر الموسيقى اللبنانية على الموسيقى العربية من خلال استضافة المؤلف الموسيقي الموسيقار د. عبدالله المصري الذي ترعرع على فن الرحابنة الجاد وعلى الثقافة الموسيقية اللبنانية المحلية الشعبية الأصيلة.
من جهت شكر الموسيقار د.عبدالله المصري الحضور على حرصهم على حضور هذه الندوة المتخصصة، مبينا ان الموسيقى اللبنانية تشكلت من التراث الشعبي والموسيقى الكنسية الشرقية والتأثير الغربي نتيجة الاحتكاك الثقافي المبكر مع أوروبا، هذا الخليط وفر بيئة خصبة لمشروع الرحابنة، الذين لم ينقلوا التراث حرفيا، بل أعادوا صياغته فنيا.
البناء الدرامي
وأشار المصري الى ان المشروع الرحباني تميز بعدة سمات، منها إعادة تعريف الأغنية العربية كالانتقال من الطرب الطويل إلى الأغنية المكثفة ذات البناء الدرامي، وربط الموسيقى بالسرد باعتبار الأغنية ليست غناء فقط، بل كونها جزءا من قصة أو مشهد مسرحي، بالاضافة إلى خلق عالم متخيل كالقرية، المواسم، الحلم، الوطن، والإنسان البسيط، مشيرا الى ان كل هذا نلاحظه في أعمال الرحابنة وهو من الأمور المهمة في اي منتج يقدمونه للجمهور لا بد ان تتوافر فيه تلك السمات ولا بد ان يحمل تجديدا سواء في المقامات العربية بطريقة مبسطة تخدم النص والمعنى او في الايقاع وتنويعه لكسر الرتابة السائدة في الاغنية العربية التقليدية، بالاضافة إلى ان التأليف الموسيقي والتوزيع الموسيقي يحرصون من خلاله على ان يكون متماشيا مع لون الاغنية سواء كانت كلماتها حزينة أو مفرحة.
وأوضح الموسيقار د. عبدالله المصري ان الأخوين الرحباني، أهم ظاهرة فنية وثقافية عرفها لبنان خلال النصف الثاني من القرن الماضي وبات هذا الفن الموسيقي والمسرحي أحد المقومات الثقافية للحياة اللبنانية، حيث نهلا أصول الموسيقى الكنسية المشرقية من ينابيعها الأصلية وقدموها من خلال مقاماتها المتميزة وخصوصا في مسرحياتهما حيث استخدم الأخوان الرحباني مقامات شرقية، وقوالب لحنية مستوحاة من الكنائس والأديرة، وتظهر في التراتيل والأناشيد التي تؤديها فيروز وشخصيات مسرحياتهم والتي خلقوا من خلالها جوا من السكينة والوقار، خاصة في أعمال مثل «أيام فخر الدين» و«هالة والملك»، حيث تشعر بالطقوس الدينية والمناسبات الكنسية في الألحان والكلمات، مع مزجها بالدراما والقصص.
المسرح الغنائي
وذكر المصري ان الرحابنة اسسوا نموذجا جديدا للمسرح الغنائي العربي، تتكامل فيه الكلمة واللحن والحركة والأغنية التي تخدم الحدث الدرامي وهذا ما يشعر به المتابع لأعمالهم المسرحية مثل مسرحية «يعيش.. يعيش» و«جسر القمر» و«جبال الصوان» و«المحطة»، ومن هنا يتضح أثر الرحابنة على الموسيقى العربية من خلال تحرير الأغنية من الطول المفرط وتوسيع دور التوزيع الموسيقي وتشجيع المزج بين المحلي والعالمي، بالاضافة إلى إعادة الاعتبار للمسرح الغنائي كفن جاد يحمل بين طياته رسالة.