- الشرع يرتب عقوبتها على مبدأ العقوبات التعزيرية بالشريعة الإسلامية
أكد الاستاذ المشارك بقسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية في كلية الشريعة والدراسات الاسلامية د.محمد مهدي العجمي ان العالم قد شهد تطورا متسارعا في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات على نحو لم يعرف مثله في تاريخ البشرية. وقال إن هذا التطور قد ألقى بظلاله على جميع مناحي الحياة الانسانية بمختلف ظواهرها ومن ذلك الظواهر الاجرامية، ولئن كانت الآثار الايجابية لهذا التطور كثيرة جدا في شتى المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية فإن الآثار السلبية لم تغب عن هذا المشهد.
وبين العجمي بعض الآثار السلبية وهي دخول الجرائم إلى عالم الاتصالات وتقنية المعلومات في صور عديدة وأشكال مختلفة، ولم يترك المشرع الكويتي هذا التطور الاجرامي بلا معالجة بل اصدر القانون رقم (63) لسنة 2015م في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات والذي تناول عددا من تلك الجرائم. والى معرفة المزيد من خلال هذا الحوار.
ما معنى الجريمة في الإطلاق الشرعي وفي استعمال الفقهاء والقانونيين؟
٭ الجريمة في الشرع تطلق إطلاقا عاما، وهو ارتكاب كل ما هو مخالف للحق والعدل والطريق المستقيم، وبعبارة موجزة: الجريمة مخالفة الأمر أو النهي. ويخص بعض الفقهاء اسم الجريمة بالمخالفات التي قرر الشرع عقوبات دنيوية يعاقب عليها القضاء، فيدخل فيه ثلاثة أنواع: الجنايات والحدود والتعزير، والجريمة عند القانونيين عمل أو امتناع يرتب القانون على ارتكابه عقوبة.
ما معنى انتحال الشخصية؟
٭ انتحال الشخصية هو الانتساب إلى اسم كاذب أو صفة غير صحيحة، والاسم الكاذب هو الاسم الذي ينتحله الجاني خلافا للحقيقة ويشمل ما إذا كان الاسم لشخص حقيقي أو خيالي، ويدخل في الصفة غير الصحيحة أن ينسب الشخص لنفسه كذبا أو ينتحل لقبا أو رتبة أو وظيفة أو مهنة أو عملا أو نسبا غير حقيقي، أو غير ذلك مما يجعل له مركزا معينا بين الناس.
ما صور انتحال الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي؟
٭ له صور متعددة، ومن ذلك:
1 - أن يفتح المنتحل حسابا في تويتر مثلا ويدعي أنه شخصية معروفة في المجتمع، ويدعم دعواه بوضع اسم تلك الشخصية في حسابه، ووضع صورتها، وكتابة العبارات التي تكتبها تلك الشخصية في الملف الشخصي، مما يوقع الناس في الغلط، ويحملهم على الظن أنه هو فعلا تلك الشخصية الحقيقية.
2 - أن ينسب المنتحل نفسه إلى أسرة ذات مكانة مرموقة في المجتمع، مثل أن ينسب نفسه إلى أسرة حاكمة، أو أسرة تجارية غنية، مما يحمل الناس على التعامل معه وتصديقه.
3 - أن ينسب نفسه إلى صفة لا تطابق الواقع، مثل أن يدعي أنه امرأة أرملة، وأم أيتام، أو أنه فقير ذو ديون.
هذا، والغرض من جميع هذه الصور ونحوها هو النصب والاستيلاء على المال بغير وجه حق، لا فرق في تحقق هذه الجريمة بين المنصات المختلفة؛ سواء كان في إكس، أو فيسبوك، أو انستغرام، أو سناب شات أو غيرها.
ما الأصول الشرعية الحاكمة على جريمة انتحال الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي؟
٭ الأصل الأول: تحريم الكذب، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم الكذب في الجملة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» رواه البخاري ومسلم.
وجريمة انتحال الشخصية تشتمل على الكذب، حيث يخبر منتحل الشخصية بشيء مخالف للواقع؛ لأنه يدعي لنفسه شخصية ليست هي شخصيته الحقيقية.
وبهذا يتبين أن انتحال الشخصية محرم شرعا، لكونها كذبا وإخبارا بغير الواقع.
الأصل الثاني: تحريم الإضرار بالغير وتحريم الاعتداء، وهو من الأصول الشرعية الكبرى، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة متعاضدة، ومن ذلك قوله تعالى: (إن الله لا يحب المعتدين) [المائدة: 87]، ففي الآية: النهي عن الاعتداء، وهو شامل لأنواع الاعتداء كلها، قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجه وهو صحيح، وهذا الحديث أصل في نفي الضرر في الشريعة.
ولا شك أن في جريمة انتحال الشخصية إضرارا بالغير واعتداء على الحقوق، حيث يعتبر انتحال الشخصية من أشهر الطرق الاحتيالية التي يتوصل بها إلى الاستيلاء على المال أو المنفعة ونحوهما من الآخرين، وإذا كان كذلك فإنه محرم شرعا، وداخل في دلالة النصوص الشرعية المانعة من ذلك.
الأصل الثالث: تحريم أكل المال بالباطل، وقد دلت على ذلك جملة من النصوص، منها قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه» رواه مسلم. ومن الواضح أن في جريمة انتحال الشخصية أكلا للمال بالباطل، حيث إن المنتحل يهدف إلى الاحتيال والوصول إلى الاستيلاء على الأموال بغير وجه حق، فهو محرم شرعا، وداخل في دلالة النصوص الشرعية المانعة من ذلك.
الأصل الرابع: مبدأ العقوبات التعزيرية، والجرائم التعزيرية هي جرائم لم تقدر الشريعة فيها عقوبة معينة، بل تطبق فيها عقوبات يقدرها القاضي بحسب المجرم والجريمة، وتسمى العقوبات التعزيرية.
كيف نعمل الأصول الأربعة السابقة في جريمة انتحال الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي؟
٭ إذا نظرنا في جريمة انتحال الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي بناء على ما تقدم من الأصول الشرعية الحاكمة نجد أن هذه الجريمة تتوافر فيها صفة الجريمة التعزيرية، وذلك من جهتين: أولا: أنها معصية لله تعالى؛ حيث اجتمع فيها الكذب والإضرار بالغير والاعتداء وأكل المال بالباطل. ثانيا: أنها جريمة لم تحدد الشريعة لها عقوبة معينة.
ويتبين بهذا أن ترتيب العقوبات الرادعة عن جريمة انتحال الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي جار على مبدأ العقوبات التعزيرية في الشريعة الإسلامية.
كيف عالج القانون الكويتي جريمة انتحال الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي؟
٭ جريمة انتحال الشخصية ليست جريمة جديدة من حيث الأصل، وقد جرمها قانون الجزاء؛ قانون رقم (16) لسنة 1960م، وعدها من جرائم النصب، ولما تطورت هذه الجريمة ودخلت في مواقع التواصل الاجتماعي واكب المشرع الكويتي هذا التطور في السلوك الإجرامي وغيره من أنواع السلوك الإجرامي المعلوماتي فقابله بإصدار القانون رقم (63) لسنة 2015م في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
ومن الجرائم التي نص عليها هذا القانون جريمة انتحال الشخصية بصورها الحديثة وذلك في الفقرة الخامسة من المادة (3)؛ فقد نصت على عقوبة كل من «توصل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو باستخدام وسيلة من وسائل تقنية المعلومات إلى الاستيلاء لنفسه أو لغيره على مال أو منفعة أو مستند أو توقيع على مستند، وذلك باستعمال طريقة احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة متى كان ذلك من شأنه خداع المجني عليه».
كيف يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة؟
٭ يتحقق السلوك المادي لهذه الجريمة باتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر، انستغرام، سناب شات، فيسبوك، ونحوها، ويتوصل باستعمال ذلك منتحل الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي إلى الاستيلاء لنفسه أو لغيره على مال أو منفعة أو مستند أو توقيع على مستند، متى كان ذلك من شأنه خداع المجني عليه.
وكيف يتحقق الركن المعنوي؟
٭ جريمة انتحال الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي جريمة عمدية يتخذ ركنها المعنوي صورة القصد الجنائي العام، ويتكون من عنصرين: الإرادة والعلم.
ما العقوبة التي قررها القانون الكويتي لهذه الجريمة؟
٭ تبين المادة (3) من قانون رقم (63) لسنة 2015م في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات عقوبة هذه الجريمة، حيث تنص على أنه: «يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار، ولا تجاوز عشرة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين..».
ما التأصيل الفقهي الذي تستند إليه هذه العقوبة؟
٭ تستند عقوبة الحبس لمرتكب هذه الجريمة إلى عقوبة الحبس تعزيرا، وهي واحدة من العقوبات التعزيرية المقررة عند الفقهاء في الجملة، وتستند عقوبة الغرامة المالية التي قررها القانون الكويتي على هذه الجريمة إلى مسألة التعزير بالمال.
ومن المهم هنا أن ننوه بأن المشرع الكويتي استند فيما قرره في قانون الجزاء إلى مبادئ التعزير في الشريعة الإسلامية، حيث ورد في ختام المذكرة التفسيرية لقانون الجزاء، قانون رقم (16) لسنة 1960م النص التالي:
«كل الجرائم الواردة في هذا القانون إنما هي من ضروب التعزير، خصص ولي الأمر فيها القضاء من حيث الموضوع؛ فأوجب عليه أن يحكم في هذه الجرائم دون غيرها، وأن يحكم بعقوبات عين له حدودها القصوى فلا يجاوزها، ولكن يجوز له أن ينزل عنها إلى الحد الذي يراه، ناظرا في ذلك إلى ظروف كل قضية وما يحيط الجاني من ملابسات شخصية.
وليس في كل ذلك إلا مسايرة للمبادئ المقررة في باب التعزير، كما دونها فقهاء الشريعة الإسلامية».