أكد الأمين العام الأسبق للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب م. علي اليوحة، الدور العميق الذي تضطلع به الثقافة والفنون في المجتمع الكويتي وفي العالم، بوصفها أداة فاعلة في إحداث التغيرات الاجتماعية والفكرية ووسيلة مهمة لمواجهة الأفكار المتطرفة. كما أوضح أن العمل الثقافي ليس جهدا فرديا، بل منظومة أدوات متكاملة تبدأ بالإيمان بأن كل ألوان الطيف الثقافي، من فنون تشكيلية وموسيقى وأدب ومسرح وتراث وآثار، تستحق مستوى واحدا من الدعم والاحترام حتى تتمكن من تقديم منتجها للجمهور وتغيير مفاهيم المجتمع نحو الأفضل.
جاء ذلك ضمن حلقة حوار برنامج «الجوهر» للتدريب الإعلامي، الذي تنظمه أكاديمية «لابا» للفنون التابعة لمؤسسة «لوياك»، حيث قدم م. علي اليوحة شهادة شخصية ومهنية تناولت مسيرته كواحد من رواد العمل الثقافي في الكويت خلال فترة توليه أمانة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب على مدى ثمانية أعوام شهدت خلالها الثقافة والفنون الكويتية حالة من الحيوية الثقافية والفنية المشهودة. شارك في الحوار مجموعة من المتدربين، بإدارة الإعلامية اللبنانية رانيا برغوت التي قدمت ورشة تدريب إعلامي على مهارات إعداد وإقامة حلقة حوارية ناجحة. والمشاركون هم: آية بيطار، دلال السمحان، مريم الهندي، د. منيرة السلطان، من داخل الكويت، بالإضافة للمشارك بهاء جانبين من بيروت وآية بيطار وأحمد ياغي من الأردن.
استهلت المشاركة آية بيطار اللقاء بمحور الطفولة والنشأة، فأوضح اليوحة أنه ولد في مستشفى السالمية وهي المنطقة التي شهدت طفولته ونشأته. وأضاف قائلا إن الوالد «كان من بين مؤسسي الحركة النقابية في الكويت، وكانت مسيرتي في الدراسة عادية، لكني تكاسلت قليلا في سنة أولى متوسط. وبسبب ذلك بدأ الوالد يهتم بمتابعتي، وبدأ يصطحبني معه عندما يذهب للنقابة».
وأوضح أن والده كان يذهب لعمله صباحا ثم يعود للمنزل لقيلولة حتى الساعة الرابعة، فيعود ليذهب للنقابة وبشكل يومي شديد الصرامة والانضباط، الأمر الذي أثر عليه وجعله يميل للانضباط في حياته.
وأضاف: اعتمدت على نفسي في الدراسة، ولم أحتج إلى دروس خصوصية، وكنت طالبا هادئا ومنضبطا وعندما انتقلت لدراسة الهندسة في موسكو عام 1978 استمر هذا النهج، فقد كانت حياتي هناك جدية للغاية، وبرغم ما قد يمر به الشباب عادة من مشكلات في الغربة، إلا أنني لم أواجه صعوبات تذكر.
وتعقيبا على أسئلة المشاركة دلال السرحان، التي تناولت الجانب المهني أجاب م.علي اليوحة قائلا: انتقالي من بلدية الكويت إلى المجلس الوطني عام 1996 فتح أمامي عالما جديدا، فاحتكاكي بالمسرحيين والموسيقيين والأدباء والتشكيليين والمهتمين بالتراث والآثار وسع مفهومي للثقافة، وأكد لي أن المعرفة ركيزة أساسية لأي قيادة ناجحة، وفي 2006 أصبحت أمينا عاما مساعدا، ثم في 2011 أمينا عاما للمجلس، وهو المنصب الذي ترددت في قبوله أول الأمر، لكن تشجيع من أثق بهم أعطاني الثقة، خلال عملي أوليت المكتبة الوطنية اهتماما خاصا باعتبارها أرشيف الدولة، وبدأنا مشروع رقمنة إصدارات المجلس وتحويلها رقميا، مستفيدين من التقنيات التي ظهرت في تلك الفترة. كما سعينا إلى تطوير إصدارات خاصة تتناسب مع احتياجات وزارة التربية، فإصدارات المجلس لم تكن تحتاج لتطوير، ولست مؤسسها، بل أسسها رواد مثل أحمد العدواني وسليمان العسكري، وكان لهما جهود جبارة في صدورها وتطويرها، لكننا عملنا على إعداد كتب مبسطة عن العملات والطوابع والحضارات والتاريخ في الكويت بلغات متعددة، وقدمناها للوزارة على أمل دعم المناهج، لكن المشروع لم يكتمل.
وردا على أسئلة المشاركة مريم الهندي التي تناولت محور الإعلام وأثره، أجاب م. اليوحة موضحا: عملت على تطوير إعلام إلكتروني فعال، ولم أتردد في اتخاذ القرارات التي رأيتها صحيحة، أما الأزمات فتعاملت معها بشفافية وثبات، حتى عندما تم إيقافي عن العمل للتحقيق بسبب عرض مسرحي وحفل موسيقي ونشر كتاب، من قبل وزير الإعلام آنذاك، طلبت أن يصلني كتاب رسمي بأسباب الإيقاف، وبعد تغير الوزير أصررت على أن يستكمل التحقيق لأنها مسألة سمعة لي ولزملائي، وتعاملت مع الإعلام بهدوء وثقة. وبعد تجاوز تلك المرحلة ازداد إصراري على إكمال مهمتي، لأن العمل الجاد يزعج البعض، لكن المهم أن يحافظ الإنسان على وضوح نياته وشفافيته.
ومن بيروت قام المشارك بهاء جانبين بتناول محور الإدارة، وأوضح م. علي اليوحة في إجاباته عن أسئلته أن العمل الثقافي ليس جهدا فرديا، بل منظومة أدوات متكاملة تبدأ بالإيمان بأن جميع ألوان الطيف الثقافي، من فنون تشكيلية وموسيقى وأدب ومسرح وتراث وآثار، تستحق مستوى واحدا من الدعم والاحترام حتى تتمكن من تقديم منتجها الى الجمهور.
وأضاف: لذلك ركزت خلال سنوات عملي أمينا عاما على ضمان استدامة المهرجانات والأنشطة، فثبتناها بقرارات مجلس الوزراء لتتوافر لها ميزانيات سنوية تضمن استدامتها. كما اعتمدت على مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها شريكا أساسيا لا يمكن للمؤسسة الحكومية أن تنجح من دون إشراكه.
وقال: عملت مع كفاءات في الإعلام والثقافة والفنون، ومنحتهم مساحة من الحرية، وفي القرارات الصعبة أعود لمجموعة من المستشارين والزملاء الذين شكلوا سندا حقيقيا وكانوا مستعدين للعطاء.
وأكد أن القيادة تبدأ بالأمانة والإخلاص والصدق، وبالقدرة على التعامل كإنسان قبل أن تكون صاحب منصب. وأن العمل الثقافي يحتاج إلى معرفة بالأدب، والفن، والمال، والإدارة معا.
من جهته، اختار المشارك أحمد ياغي من الأردن محور المنهج الإداري الذي التزم به م. اليوحة في عمله الذي أوضح قائلا: إن منصب الأمين العام لم يكن وظيفة إدارية بحتة بل غرفة عمليات تتطلب تجاوز البيروقراطية أحيانا، والتضحية بالوقت والالتزامات الاجتماعية لضمان سير العمل.
وتحدث عن تخصيص مركز جابر الأحمد في فيلكا للتنقيب، موضحا أن الموقع كان قائما قبل توليه، لكنه مع الأمين العام المساعد لقطاع الآثار عملا على تطوير فرق التنقيب التي كانت صغيرة ومحدودة المدة، فرفعوا عدد أفراد البعثة إلى نحو 15 وزادوا عددها إلى خمس بعثات سنويا، مع إلزام كل بعثة بإصدار دراسات ترجمت سبع منها للعربية، ما استدعى إنشاء مقر أكبر قادر على استقبال بعثتين في وقت واحد. وأشار إلى أنه واجه مواقف كان لا بد فيها من حماية مصالح الكويت في مواجهة فرق التنقيب الأجنبية، لكن العقود الواضحة التي التزم بها الطرفان أثمرت ثمانية إصدارات عن الاكتشافات الهلينستية والإسلامية وغيرها.
وقال إن هناك خيطا رفيعا بين الحفاظ على أصالة الموقع وتهيئته للزيارة، وإنهم نجحوا بنسبة تقارب 80% رغم الأخطاء، فيما ظلت صعوبة الوصول إلى فيلكا عائقا أمام تحويل المواقع إلى وجهات سياحية مفتوحة. أما فيما يخص زيادة ميزانية المجلس، فأوضح أن تجاوز البيروقراطية كان ضروريا، لذلك كان يتوجه بنفسه لوزارة المالية لمناقشتهم.
وحول تسويق الإصدارات العلمية، بين أن قياس أثرها يعتمد على مؤشرات غير مباشرة مثل أرباح دور النشر في معرض الكويت للكتاب، مؤكدا أنه بالرغم من أن الكويت لا تقدم دعما ماديا للناشرين، ومع ذلك كانت المبيعات قوية وتغطي إيجارات دور النشر السنوية.
وإجابة عن أسئلة د. منيرة السلطان، شدد م. اليوحة على أن تخيل المستقبل مرتبط بمعرفة المعطيات الحالية ومدى إيجابيتها في التعليم والثقافة والصحة، مؤكدا أن تكرار كلمة «استراتيجية» في الخطابات الرسمية يعني ضرورة وجود خطط واضحة وأدوات تشغيلية تحاسب عليها أجهزة الدولة. وأن القناعة بأهميتها أساس أي إنجاز، مستشهدا بقول رئيس فرنسي سابق إن الثقافة والفنون السلاح الحقيقي في مواجهة الإرهاب.
كما أكد أن الحفاظ على الهوية يحتاج إلى استراتيجيات طويلة المدى تنفذ عبر مراحل زمنية وأدوات واضحة ورقابة مستمرة، إلى جانب مجتمع متعلم يمتلك الحد الأدنى من الوعي والمعرفة.