مفرح الشمري
المتابع لمسلسل «أم رجا» يتضح له أن العمل لا يحاول إعادة إنتاج الدراما التراثية الكويتية بالشكل التقليدي الذي يعتمد على الحنين والنوستالجيا فقط، بل يحاول استخدام البيئة التراثية كأداة تحليل اجتماعي قاس لبنية المجتمع قبل التحولات الاقتصادية الكبرى في الكويت وذلك في ستينيات القرن الماضي.
المسلسل من تأليف وإنتاج مشاري حمود العميري وإخراج محمد عبدالعزيز، ويقود بطولته زهرة عرفات «أم رجا»، صلاح الملا «ابو رجا»، محمد العجيمي «بوصالح»، اسماعيل الراشد «الملا مساعد»، محمد الصيرفي «متعب»، شيماء سبت «غنيمة»، عبدالعزيز مندني «رجا»، نواف الفجي «سعد» وآخرون.
منذ الحلقة الأولى يضع المسلسل المشاهد داخل مجتمع قروي تحكمه منظومة صارمة من القيم: السمعة، النسب، الهيبة الاقتصادية، وسلطة الرجال، هذه المنظومة لا تعرض كخلفية للحدث فقط، بل كقوة درامية تتحكم بمصائر الشخصيات ولذلك فإن الصراع الحقيقي في العمل ليس بين أفراد بقدر ما هو بين الفرد وبنية المجتمع التي تقرر مسبقا من يملك الحق في الكلام ومن يدان قبل أن يسمع.
تصعيد بطيء
البنيــة السردية للحلقات الـ 10 تقوم على تصعيد بطيء لكنه محسوب، الحلقة الأولى والثانية تؤديان وظيفة التأسيس الاجتماعي: التعريف بالمكان والعلاقات العائلية في القرية، هنا يحرص الكاتب على إظهار الفوارق الطبقية الدقيقة، فهناك تجار يملكون النفوذ، وعائلات متوسطة تحاول حماية سمعتها، وشخصيات تعيش على الهامش الاجتماعي مثل أم رجا.
طلاق أم رجا في الماضي ليس حدثا ثانويا بل حجر الأساس في بنية الشخصية، الطلاق في تلك البيئة لا يعني نهاية علاقة زوجية فقط، بل فقدان الحماية الاجتماعية، لذلك تبدو الشخصية منذ البداية وكأنها تعيش حالة دفاع دائم عن وجودها وعن مستقبل ابنها «رجا» الطيب الذي لا يحب المشاكل ويخاف من سلطة أبيه الذي يحاول ان ينتقم من امه من خلاله ليجعلها دائما مكسورة ولاحول لها.
المسلسل يطرح سؤالا ضمنيا: هل المجتمع يعاقب المرأة أكثر مما يعاقب الرجل عندما ينهار الزواج؟
مع تقدم الحلقات تبدأ العقدة المركزية المرتبطة بابنها تتشكل تدريجيا، خصوصا عندما تبدأ الشكوك والاتهامات التي تمس سمعة العائلة، في هذه المرحلة يتحول السرد من دراما اجتماعية هادئة إلى دراما تحقيق اجتماعي، فالمشاهد لا يتابع مجرد مشكلة عائلية، بل يتابع كيف تتحول الشائعة إلى حكم جماعي بعد ان فقدت «ام رجا» ولدها وبيتها بعد ان توفى «رجا» بفعل فاعل الذي سرق ماله وهو عائد إلى أمه بعدما أبرم صفقة بيعة البيت.
عاطفي واضح
الأداء الذي تقدمه زهرة عرفات عاطفي واضح، الشخصية لا تبالغ في الانفعال بل تعبر عن القلق والخوف من خلال الصمت والنظرات المتوترة، وهذا يتناسب مع طبيعة الشخصية التي تعلمت عبر سنوات العيش في مجتمع قاس أن تخفي ضعفها.
في الحلقات الأولى تظهر أم رجا كضحية للظروف، امرأة مطلقة تحاول فقط أن تحمي ابنها من قسوة المجتمع لكن مع تصاعد الأحداث يتغير موقعها في السرد فهي لا تبقى ضحية فقط، بل تتحول تدريجيا إلى شخصية تقاوم وتبحث عن الحقيقة حتى لو اصطدمت بالبنية الاجتماعية التي تهمشها.
هذا التحول هو أحد أهم عناصر القوة في المسلسل، لأنه يخلق مفارقة درامية المجتمع الذي يحاول إسكاتها هو نفسه المجتمع الذي يجبرها على المواجهة.
من الملاحظ أن الكاتب يستخدم الشخصيات مثل التي يؤديها صلاح الملا ومحمد العجيمي ومحمد الصيرفي ليس فقط كعناصر درامية مستقلة، بل كجزء من القضية التي يطرحها، فكل شخصية تمثل موقفا مختلفا للقضية التي تتفجر في القرية.
بعض الشخصيات تتبنى منطق الحكمة التقليدية التي تدعو إلى الصبر والحفاظ على السمعة مهما كان الثمن، بينما تمثل شخصيات أخرى البراغماتية الاقتصادية التي ترى أن النفوذ والمال قادران على إعادة ترتيب الحقيقة، وبهذا المعنى يصبح الحوار بين الشخصيات أشبه بمناظرة اجتماعية حول القيم التي تحكم المجتمع.
إيقاع هادئ
الإخراج الذي يقدمه محمد عبدالعزيز يعتمد على إيقاع هادئ نسبيا، مع تركيز واضح على الفضاءات الداخلية مثل البيوت والمجالس، هذا الاختيار ليس عشوائيا، فالبيوت في المسلسل تمثل العوالم المغلقة التي تتخذ فيها القرارات المصيرية بعيدا عن العلن.
الكاميرا غالبا ما تبقى قريبة من الوجوه، خصوصا في المشاهد التي تجمع أم رجا مع الشخصيات الأخرى، ما يعزز الإحساس بالضغط النفسي الذي تعيشه الشخصية، كما أن استخدام الأزقة الضيقة والسوق الشعبي يعكس فكرة المجتمع الصغير الذي تنتشر فيه الأخبار بسرعة ولا يترك مجالا للخصوصية.
ومن خلال رحلة « أم رجا» في هذا المسلسل يتأكد للمشاهد بأن الحقيقة تظهر في النهاية، لكن الثمن الذي يدفعه الأفراد قبل الوصول إليها قد يكون أكبر من أي تعويض.