دمشق - هدى العبود
أكد المخرج والسيناريست المهند كلثوم، في حوار خاص لـ «الأنباء»، أنه لا يمكن للفن أن يكون منفصلا عن الواقع المجتمعي الذي نعيشه، بل على العكس يجب أن يكون مرآة لانعكاس حياة الشعوب، ونقلها بأمانة وواقعية، قائلا: من هنا تكمن أهمية الدراما المجتمعية المعاصرة والتاريخية، وهذا ما شاهدناه خلال الدورة الرمضانية لعام 2026 من عرض أعمال فنية شاملة تطرقت لحياة السجون مثل مسلسل «الخروج إلى البئر» أو «مطبخ المدينة» وإلقائهما الضوء على حياة شريحة مهمشة من المجتمع، أو «عيلة الملك» والحياة الفاسدة، أو حياة الملاهي وفقدان دفء الأسرة من خلال مسلسل «بخمس أرواح»، يقابله انعدام الثقة بين الزوجين والذي يؤدي إلى دمار الأسرة، وهذا تمثل من خلال مسلسل «أنا وهي وهيا»، تلك الأعمال نموذج من كم من الأعمال الفنية الدرامية التي حظيت بمشاهدة واسعة على فضائيات الوطن العربي، وبعد العرض هناك نقاد يتربصون بتلك الأعمال، ترى أين أصابت وأين أخفقت، لتأتي بعدها مهرجانات تشاهد عربيا وعالميا وتقيم تلك الأعمال من خلال لجان مختصة، والسؤال هنا «ترى أين أصابت تلك الأعمال وأين أخفقت؟».
المهند كلثوم تحدث عن الكثير من الأمور الفنية، في حوار خاص لـ «الأنباء»، فإلى التفاصيل:
عندما تتوافر للممثل المبدع المتقن أدواته والمخرج المحترف مثل ما لمسناه من خلال مسلسل «مولانا»، هل برأيك نكون أمام إنتاج درامي متكامل أم أننا وقعنا في المطب الأساسي الذي أثر على معظم أعمال الدراما السورية في رمضان؟
٭ الدراما ليست مجرد توازن تقني بين عناصر، بل هي توازن أخلاقي وفكري قبل كل شيء، حين يضعف النص لا ينكشف العمل فقط بل تنكشف رؤيته للعالم، اليوم التحدي ليس في توافر الموهبة، لكن في القدرة على قول الحقيقة دون أن تتحول إلى خطاب، وبين الحقيقة والانحياز هناك مساحة اسمها الفن، وهذه المساحة هي ما نفتقده أحيانا.
كيف تقيم مسلسل «الخروج إلى البئر» من وجهة نظرك؟
٭ الأعمال التي تقترب من مناطق حساسة لا تقاس بجرأتها، بل بقدرتها على الاحتفاظ بمسافة من نفسها، الفن لا يفترض أن يكون شاهدا فقط بل مفسر أيضا، وعندما ينجح العمل في طرح الأسئلة بدل تقديم الإجابات، فهو يحقق قيمته الحقيقية.
مسلسل «بخمس أرواح» الذي قدم مشكلة المنازعات والتنازع، هل برأيك يعتبر العمل الناجي الوحيد من بين الأعمال البعيدة عن كل تجاذبات الواقع السوري؟
٭ الابتعاد عن الضجيج ليس إنجازا بحد ذاته، بل البداية فقط، العمل الذي ينجو فعلا هو الذي يخلق عالمه الخاص، لا الذي يهرب من العالم، الدراما التي تعيش طويلا هي تلك التي لا تستهلك في لحظة عرضها.
هناك انتقاد شديد مفاده أنه عندما نشاهد اسم مخرج ما فإننا نجد معه نفس مجموعة نجوم الصف الأول والثاني الذين يعملون معه باستمرار كما ينطبق ذلك على ورشة الكتاب، برأيك هل يضر ذلك بالدراما السورية؟
٭ في كل صناعة فنية هناك دوائر عمل متكررة، وهذا طبيعي، لكن الخطورة ليست في التكرار لكن في الاطمئنان إليه، حين تصبح العلاقات بديلا عن المغامرة الفنية، يبدأ الشكل بالتفوق على الجوهر، والتجديد لا يأتي من الأسماء، بل من كسر التوقعات.
وجهت انتقادات من قبل المشاهدين لمسلسل «مولانا» بسبب فقد أحد أركانه الثلاثة التي كانت تجمع الكاتب عمر أبوسعدة وتيم حسن وسامر برقاوي، كيف تقيم ما يجري في هذا الإطار؟
٭ أي عمل يفقد أحد أعمدته الأساسية لا يسقط بالضرورة، لكنه يختبر، المشكلة ليست في الغياب، بل في القدرة على إعادة تعريف الهوية، لأن بعض الأعمال لا تقوم على عناصرها فقط، إنما على الكيمياء الخفية بينها.
ما رأيك في تقديم مسلسلات مثل «مطبخ المدينة» و«بخمس أرواح» و«اليتيم» لقضايا متشابهة بينها وبين أعمال درامية سابقة مثل «أولاد بديعة»؟
٭ عودة بعض القضايا إلى الواجهة ليست صدفة، بل انعكاس لقلق جمعي يبحث عن نفسه، لكن الخطر أن تتحول هذه القضايا إلى موضة درامية، الفن لا يجب أن يستهلك الألم، بل أن يعيد فهمه.
كيف تقيم الحلقات المنفصلة المتصلة لمسلسل «ما اختلفنا»؟
٭ الشكل المنفصل المتصل يشبه الحياة إلى حد كبير، حكايات متعددة بروح واحدة، لكنه يحتاج إلى وعي عال، لأن التشتت فيه أقرب من الانسجام، النجاح هنا ليس في التنوع، بل في الخيط غير المرئي الذي يربط كل شيء.
هل كانت الفنانة تاج حيدر مقنعة في مسلسل «أنا وهي وهيا» بعد عودتها للدراما السورية عقب غياب طويل؟
٭ العودة ليست اختبارا للجمهور بقدر ما هي مواجهة مع الذات، الكاميرا لا تتذكر الغياب، لكنها تكتشف الصدق بسرعة، في النهاية، ما يبقى ليس الاسم، بل الأثر.
مسلسل «عيلة الملك» تعرض لأزمة قبل التصوير ما شكل تحديا كبيرا أمام المخرج ووضع ورشة الكتاب في مطب توظيف النص، كمخرج كيف تنظر للضغوطات وتأثيرها على مصداقية العمل وأثرها على الكاتب والمخرج؟
٭ الدراما التي تكتب تحت ضغط مباشر تفقد قدرتها على التنفس، الفن يحتاج إلى مسافة، ليس ليهرب من الواقع، بل ليراه بوضوح، وعندما تضيق هذه المسافة، يتحول العمل من سؤال إلى إجابة جاهزة، وهذه أخطر نقطة يمكن أن يصل إليها.
لوحظ مؤخرا غيابك وغياب المخرجين نجدت أنزور وباسل الخطيب وسمير حسين عن الأعمال الدرامية والسينمائية والتاريخية ما السبب برأيك؟ وكيف أثر غياب النخبة على الدراما السورية؟
٭ الحضور والغياب ليسا مقياسا حقيقيا في الفن، ما يهم هو الاستمرارية في الفكرة لا في الأسماء، أحيانا الغياب يكون ضرورة لإعادة التشكل، وليس انسحابا.
هل حدثتنا عن المسلسلات التي شاهدتها في رمضان؟ وهل نحن على موعد لعمل جديد يحمل اسمك؟
٭ تابعت بعض الأعمال، منها المسلسل الكويتي «كسرة» كان رائعا، استمتعت به وبقصته التي تعطي دروسا في الوفاء والعطاء، أم تفقد ابنها فتتبنى ثلاثة أطفال تكون لهم الأم الحنون التي لم تلد ولكنها ربت، ترافق ذلك مع أب أفنى حياته في تربيتهم، كما تابعت مسلسلا كويتيا آخر يحمل اسم «لما شفتك» كانت قصته واقعية وطرقت العادات والتقاليد العربية ووصاية الأهل وأثرها على الأسرة، أما الشق الثاني من السؤال فأنا كمهند لا أبحث عن عمل بعينه بقدر ما أبحث عن الاتجاه العام، ما يشغلني هو إلى أين تذهب الدراما؟ وأنا أؤمن أن كل عمل يجب أن يكون مغامرة جديدة، لذلك أفضل أن يأتي الإعلان عن أي مشروع عندما يكون جاهزا ليقول شيئا مختلفا، أنا لا أبحث عن عمل ناجح، بل عن عمل صادق، لأن الصدق هو الشيء الوحيد الذي لا يشيخ.