قبل أن تلامس أشعة الشمس التلال الصخرية المحيطة بقرية المراح الواقعة إلى الشمال من دمشق، يبدأ المزارعون بهدوء وخفة قطف الورود الدمشقية المتفتحة ذات اللون الزهري الجميل، في تقليد ثقافي راسخ مرتبط بذاكرة العائلة وهوية القرية.
وهذا العام، بعد عدة مواسم جفاف ألحقت أضرارا بالغة بالشجيرات لدرجة التهديد بالانقراض، عادت الأمطار لتنعش المحصول، حسبما قال المزارعون.
ولكن بينما تزهر الحقول من جديد، يخشى العديد من القرويين أن يواجه هذا التقليد مستقبلا غامضا، بسبب شيخوخة العاملين وضعف العائد الاقتصادي.
وتزهر «الوردة الدمشقية» أو ما يعرف بـ «الوردة الشامية» محليا لبضعة أسابيع فقط كل عام، محولة تلال المراح لفترة وجيزة إلى حقول وردية، وتستخدم في انتاج العطور ومستحضرات التجميل والحلويات وماء الورد التقليدي. وقد أدرجت «الممارسات والحرف المرتبطة بالوردة في قرية المراح» على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي عام 2019.
في حقول القرية، ينحني المزارعون المسنون فوق شجيرات الورد المنتشرة على سفوح التلال الجافة، بينما يساعدهم شباب أصغر سنا بين النباتات حاملين دلاء مليئة بالزهور المقطوفة حديثا والمخصصة لورش التقطير التقليدية.
من بينهم، محمد جمال عباس، مزارع في الثمانينيات من العمر، يتمنى عائدا اقتصاديا أفضل من العام الماضي، قائلا لوكالة أنباء «شينخوا» ان «الأسعار منخفضة وجميع المبيعات محلية، أحيانا تبقى منتجات مثل ماء الورد دون بيع من موسم لآخر. نأمل أن تباع سلع هذا العام وأن تتحسن الأسعار».
وأوضح عباس، الذي يرتدي غطاء رأس تقليديا أبيض وأسود ويتنقل ببطء عبر الحقول ويقطف البتلات بعناية بيده، أن العديد من المزارعين يواصلون زراعة الورود رغم انخفاض الأرباح بسبب ارتباطهم العاطفي بالزهرة.
وقال «لا يمكننا ترك هذه المهنة، حتى لو أردنا التخلص من الورود، سنظل نعتني بها، لقد تعلقنا بها، موسمها لا يدوم إلا من 20 إلى 25 يوما في السنة، وننتظرها طوال العام. لقد أصبحت الورود جزءا من حياتنا».
ويرى أن أحد الأسباب الرئيسة وراء انخفاض الأسعار هو انتشار المنتجات المقلدة أو رديئة الجودة في الأسواق المحلية، مما يصعب على المستهلكين التمييز بين منتجات الورد الطبيعي الأصلية والمنتجات المقلدة الأرخص ثمنا.
وإلى جانب ضعف الإيرادات، هناك قلق آخر بين المزارعين وهو أن الأجيال الشابة تتخلى تدريجيا عن هذه المهنة.
وقال ضياء الخطيب، وهو مزارع آخر للوردة الدمشقية بالقرية «معظم من لا يزالون يعملون مع الورد هم من كبار السن. هذه الوردة ثقافة ورثناها عن أجدادنا منذ مئات السنين، لكن الأجيال الشابة ترى أن هناك وظائف أخرى أكثر ربحية».
ولفت الخطيب، الذي كان يتفقد الورود في الحقول قبل أن يشرف على عملية التقطير في وقت لاحق من اليوم، أن هذه الحرفة تتطلب عناية على مدار العام رغم قصر موسم الحصاد، حيث يقضي المزارعون شهورا في ري وتقليم ورعاية شجيرات الورد قبل أن تتفتح أزهارها لبضعة أسابيع فقط كل عام.
وتنتج العائلات في قرية المراح مجموعة واسعة من المنتجات التقليدية من الوردة الدمشقية، حيث تستخدم البتلات الطازجة لصنع مربى الورد، بينما يقطر فائض الأزهار إلى ماء ورد باستخدام أجهزة التقطير النحاسية التقليدية. كما يعد القرويون شراب الورد، والكريمات المنزلية، والشامبو، ومستحضرات التجميل الطبيعية باستخدام تقنيات توارثوها عبر الأجيال.
وتقول العديد من العائلات إن هذه المنتجات المنزلية تسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية للقرية، حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها هذا القطاع.
ووفقا للقرويين، زار حوالي 800 زائر، من بينهم مجموعات سياحية منظمة، قرية المراح هذا العام لمشاهدة موسم الحصاد وعملية التقطير التقليدية وشراء منتجات الورد المحلية الصنع مباشرة من المزارعين.
وبينما ساهمت السياحة في إعادة إحياء الاهتمام المحلي بالورد الدمشقي، يقول المزارعون إن الحفاظ على هذا التقليد على المدى الطويل يتطلب دعما أقوى، وتسويقا أفضل، ومعدات إنتاج حديثة قادرة على توسيع الصادرات.
وأشار بعضهم إلى صعوبة تصدير منتجات الورد بسبب محدودية الطاقة الإنتاجية الصناعية، وتحديات التعبئة والتغليف، وضعف الوصول إلى الأسواق الخارجية بعد سنوات من العزلة الاقتصادية.
وبدون دعم أوسع، يخشى الكثيرون أن يندثر هذا التقليد العريق تدريجيا، مع استمرار الجيل المسن في ارتباطه بالزهرة.
يقول الخطيب «نرتبط بهذه الوردة، نحب هذه الزهرة، نبقى في الحقول طوال العام نسقيها ونقصها ونسمدها ونرعاها، إذا لم نزر الورود كل يومين، نشعر وكأن شيئا ما ينقصنا».