قال تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني إن الصراع في الشرق الأوسط استمر لفترة أطول من التوقعات الأولية، مع تسبب إغلاق مضيق هرمز في رفع معدلات التضخم والضغط على النمو الاقتصادي عالميا، كما ارتفعت الضغوط على سلاسل التوريد إلى أعلى مستوياتها منذ موجة الارتفاع التي أعقبت الجائحة، فيما سجلت أسعار الغذاء العالمية أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ويشير أحدث استطلاعات مؤشر مديري المشتريات العالمية، إلى وجود ضغوط سعرية كبيرة في الطريق، في ظل الارتفاع الكبير لعوائد السندات الحكومية منذ اندلاع الصراع العسكري في نهاية فبراير، مدفوعا ليس فقط بتفاقم توقعات التضخم، بل أيضا بالضغوط المالية.
وذكر التقرير انه على الرغم من أن السحب من المخزونات النفطية العالمية ساهم في الحد من ارتفاع أسعار النفط، فإن هذه المخزونات تقترب من مستويات حرجة، مما يزيد من مخاطر ارتفاع أسعار النفط بشكل أكبر في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز. ومن الواضح أن صدمة ارتفاع أسعار الطاقة من جانب العرض قد زادت من تعقيد السياسة النقدية لدى جميع البنوك المركزية.
ولايزال الاقتصاد الأمريكي يتمتع بالمرونة، حيث استوعب صدمات النزاع التجاري المرتبط بالرسوم الجمركية العام الماضي والارتفاع الحالي في أسعار الطاقة، مدعوما بقوة الإنفاق الاستهلاكي واستمرار طفرة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما شهد سوق العمل تحسنا، مع متوسط نمو للوظائف بلغ 114 ألف وظيفة شهريا منذ بداية العام وحتى مايو، مقارنة بمتوسط شهري بلغ 10 آلاف وظيفة فقط في عام 2025، إلى جانب معدل بطالة يبلغ 4.3% وهو قريب من مستويات التوظيف الكامل. وعلى الرغم من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول بنسبة 1.6% (النمو السنوي المكافئ) وبأقل من التوقعات، فإن النمو الأساسي كان أكثر قوة، إذ ارتفع مؤشر «المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص» بنسبة 2.4%. ويستمر الزخم القوي مع ارتفاع مبيعات التجزئة بنسبة 0.5% على أساس شهري في أبريل، فيما تظهر مؤشرات أخرى مرتفعة التكرار استمرار النمو القوي في مايو، بدعم من ارتفاع استردادات الضرائب والتأثير الإيجابي لارتفاع أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية مدفوعة بقوة أرباح الشركات. وتشير التقديرات التوافقية إلى استمرار النمو القوي في الربع الثاني، إذ يبلغ تقدير نموذج GDPNow التابع للاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا نحو 3.0%.
وفي المقابل، ارتفع التضخم الذي كان يشكل تحديا حتى قبل صدمة الطاقة الحالية. فقد سجل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي 3.3% على أساس سنوي في أبريل، وهو الأعلى منذ أواخر عام 2023 (وهو مستوى لم يسجل منذ عام 1992 باستثناء فترة الارتفاع التي أعقبت الجائحة بين 2021 و2023)، كما بلغ التضخم الرئيسي 3.8% وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات. ومن المتوقع أن يبقى التضخم أعلى بكثير من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% خلال عام 2026 وللعام السادس على التوالي. ويجعل هذا المزيج من ارتفاع التضخم وتحسن سوق العمل مهمة الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش اكثر صعوبة، لاسيما أنه جاء بتوجه واضح نحو خفض أسعار الفائدة، وهو توجه لا يشاركه فيه معظم أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. وقد يشكل قرار الإبقاء على توجه التيسير النقدي أو إزالته من بيان السياسة النقدية خلال اجتماع يونيو المقبل أول اختبار حقيقي لوارش في قيادة الاحتياطي الفيدرالي. وتشير أسواق العقود الآجلة حاليا إلى احتمال بنحو 75% لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية عام 2026.
ويتشكل المشهد الاقتصادي في منطقة اليورو تحت تأثير ارتفاع التضخم المدفوع بأسعار الطاقة واستجابة السياسات لذلك. فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2% على أساس ربعي، مدفوعا بانكماش حاد في الاقتصاد الإيرلندي المتقلب بنسبة 12%، بينما سجل النمو - باستثناء إيرلندا - أداء إيجابيا طفيفا بعد تسجيله ارتفاعا بنسبة 0.2% في الربع الرابع من عام 2025. ويتمثل التحول الرئيسي في التضخم، إذ تسارع مؤشر أسعار المستهلك إلى 3.2% على أساس سنوي في مايو مقارنة مع 1.9% في فبراير، مدفوعا بشكل رئيسي بارتفاع تكاليف الطاقة. ومن المتوقع أن يواصل البنك المركزي الاوروبي رفع توقعاته الأساسية للتضخم من الذروة الحالية البالغة 3.2% في الربع الثاني، في ظل استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز. وفي هذا السياق، ونظرا لأن الهدف الأساسي للبنك المركزي الأوروبي يتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار، فمن شبه المؤكد أن يرفع البنك أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه المرتقب هذا الأسبوع، مع الحفاظ على نهج مرن في الاجتماعات المقبلة بحسب تطورات التضخم. وبشكل عام، تواجه منطقة اليورو مزيجا صعبا على المدى القريب يتمثل في ضعف النمو وعودة الضغوط التضخمية وتشديد الأوضاع المالية. أما في ما يتعلق باتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي الذي تأخر اعتماده لفترة طويلة، فيبدو أنه يقترب أخيرا من مراحله النهائية، مع توقع تصديق الاتحاد الاوروبي عليه قبل الموعد النهائي الذي حدده ترامب في الرابع من يوليو.