سورة التغابن
قال عز وجل (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم)، من كرم الله على البشر، على أهل الايمان، انه يستقرضهم وهو سبحانه وتعالى الغني، الغني عن خلقه، قال صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح: من يقرض غير ظلوم ولا عديم، الكمال لله عز وجل، ولكن من رحمته بخلقه ليحثهم على الانفاق، قال (إن تقرضوا الله قرضا حسنا) ثم بشر سبحانه وتعالى قال: حسنا لا منة فيه ولا اذى ولا رياء حسنا ان يكون لله عز وجل وان يكون بما امر الله عز وجل، قال عز وجل بالبشارات (يضاعفه لكم) اضعاف الله هل لها حد؟ العقل البشري لا يتصور كرم الله يضاعفه كيف وكم؟ والعدد لا يخطر لكن اعلم ان الله قال (يضاعفه لكم)، إذن كل درهم وكل دينار يخرج من يد المؤمن يعلم ان هذا مقابل قرض اضعاف مضاعفة ينفق وهو بثقة من الله عز وجل، قال (ويغفر لكم) ايضا حذف المعمول للدلالة على العموم يغفر لكم كل ما كان منكم، يغفر لكم ما يتجدد من ذنوبكم لأنه يقابل سبحانه وتعالى تجديد ذنبكم بتجديد غفرانه، فإنما خاطبنا بما يفيد الاستمرار والتجديد قال يغفر لكم ذنوبكم.
من صفات الله عز وجل
(والله شكور حليم) يعرفنا الله بنفسه، الله عز وجل شكور، معناها اي شكور يعطي الكثير، يشكر العبد الضعيف بمواهب جليلة لأن صفته سبحانه وتعالى شكور، ليس لأن العبد قد ادى هذا العمل بما يكافئ إنعام الله عليه، لا والله، ولكن صفته شكور، يعرفنا الله عز وجل بنفسه يقول من صفاته انه حليم، والحلم هو انه سبحانه وتعالى لا يعاجل بالعقوبة يمهلك أيها المؤمن ويمهلك ايتها المؤمنة حتى تعود الى الله عز وجل لعلك ترجعين، لا يعاجل بالعقوبة سبحانه لأن من صفاته انه حليم، الله عز وجل عندما يعرفنا بأسمائه وصفاته فإنما ذلك ليزداد الإيمان في قلوبنا عندما تعرف الله تحب الله وعندما تعرف مراد الله منك، فكما قال ابن القيم ان الله يحب ان يرى تقتضي آثار اسمائه وصفاته على العبد، فلما علمنا ان الله حليم لا يعاجل العقوبة لابد ان يتحلى الانسان بالحلم لأن الله حليم، ويحب الحليم من الناس، والله كريم ويحب الكريم من الناس، سبحانه وتعالى عليم، ويحب اهل العلم من الناس وهكذا، عندما ارى صفات الله عز وجل احاول التخلق بآثارها، الله شكور يكافئ على العمل القليل الزهيد بالأجر العظيم.
لا غيب في علم
(عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم)، يعلم ما كان منك وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كل ما غاب عنك الله عز وجل يعلمه وكل ما تشهده الله يشهده، لا غيب في علم الله سبحانه وهو العالم بكل ما غاب وما حضر، العزيز الذي لا يغالب، الحكيم في اقواله وافعاله.
فكان ختم السورة كما بدأها سبحانه ببيان عظمته وسعة علمه وعزته وحكمته، فكل شيء مكشوف لعلمه خاضع لسلطانه، مدبر بحكمته، فهو سبحانه وتعالى عالم الغيب أي: ما لا يراه العباد ويغيب عن أبصارهم والشهادة: أي ما يشهدونه فيرونه بأبصارهم فكل شيء مكشوف لعلمه خاضع لسلطانه مدبر بحكمته، وهو العزيز الغالب الحكيم في تدبير خلقه، وصرفه إياهم فيما يصلحهم، يعلم كل شيء مما يشاهده العباد، ومما يغيب عنهم، ولا يغيب عنهم ولا يخفى عليه من شيء الله عز وجل ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)