ياسر العيلة
عندما يلتقي جمهور مركز جابر الأحمد الثقافي، المعروف بذائقته الرفيعة واهتمامه بالفنون الأصيلة، مع شركة «الجابرية الحرة» التي رسخت حضورها كواحدة من أبرز شركات الإنتاج المتخصصة في تقديم الأعمال الفنية النوعية بمعايير احترافية عالية، فإن النتيجة تكون دائما أمسية استثنائية تتجاوز حدود الحفل التقليدي إلى تجربة فنية وثقافية متكاملة.
وهذا ما تحقق بالفعل مساء أمس الأول الأربعاء من خلال الحفل الغنائي الموسيقي «بدون بروفة»، الذي احتضنته قاعة الشيخ جابر العلي الصباح الموسيقية بمركز جابر الأحمد الثقافي، وسط حضور كبير ملأ القاعة عن آخرها، في تأكيد جديد على المكانة التي تحظى بها الفنون الشعبية الكويتية والخليجية لدى الجمهور.
الأمسية أحياها الفنان سلمان العماري والفنان القطري منصور المهندي بمصاحبة فرقة الماص للفنون الشعبية، حيث قدما باقة متنوعة من فنون السامري والبحري والصوت، في رحلة موسيقية استحضرت ملامح الهوية الثقافية للكويت والخليج في زمن ما قبل الحداثة، ومن أبرز المشاهد اللافتة خلال الحفل الحضور الكبير للشباب من مختلف الفئات العمرية، بمن فيهم العديد من أبناء جيل المراهقة الذين تراوحت أعمارهم بين الخامسة عشرة والعشرين عاما، في دلالة واضحة على أن الفنون التراثية الأصيلة مازالت قادرة على استقطاب الأجيال الجديدة متى ما قدمت بصورة احترافية تليق بقيمتها التاريخية والثقافية.
واتسمت الأمسية بدفء العلاقة بين الفنانين والجمهور، حيث تحولت إلى حوار موسيقي وغنائي عفوي امتد لوصلتين تخللتهما استراحة قصيرة، واستهل العماري والمهندي السهرة بفن الدواري، أحد أبرز فنون الغناء البحري في الخليج العربي، من خلال أغنية «اللولو ضيع دواوينه»، ثم قدما تنزيلة «أول ما نبدي»، أعقبتها «يا دان» التي تعد من أشهر التنزيلات في فنون الحدادي واليامال البحري الكويتي.
وواصل الفنانان تألقهما عبر مجموعة من أعمال فن الصوت العربي، من بينها «يالله اليوم» وقصيدة «سألك بطه»، التي صاحبتها وصلات موسيقية اعتمدت على العود والمرواس، قبل الانتقال إلى اللون الشامي عبر أغنية «طيب يا زين طيب»، ثم أغنية «أجلى ليالينا»، لينتهي بذلك الفصل الأول من الحفل وسط تفاعل لافت من الحضور.
وعقب الاستراحة، واصل الجمهور استمتاعه بباقة متنوعة من ألوان الغناء الشعبي والتراثي، حيث قدمت أغنية «مريت في سكة» من فن السامري، و«يا عين مالية» من فن البستة، و«تيه أفكاري غزال» من الفن القادري، و«حمامات الهوى نوحي» من الفن الخماري القطري، قبل أن تختتم الأمسية بأغنية «تسرون ولا سرينا» من فن الدزة، لتكون مسك ختام ليلة حملت الكثير من الجمال والحنين.
وأكدت هذه الأمسية أن الاستماع إلى الفنون التراثية والأغاني الشعبية القديمة لا يمثل مجرد حالة من الحنين إلى الماضي، بل يشكل جسرا حقيقيا يربط الحاضر بتاريخ الأجداد، ويسهم في تعزيز الهوية الثقافية وحماية الموروث الفني من الاندثار، إلى جانب إلهام الأجيال الجديدة لاستلهام إبداعات موسيقية معاصرة من جذور أصيلة.
وفي ختام الحفل، استحق فريق العمل كامل الشكر والتقدير على الجهد الكبير الذي أسهم في خروج الأمسية بهذا المستوى المتميز، وفي مقدمتهم شركة «الجابرية الحرة» بقيادة المنتج التنفيذي علي النصف، وفريقها الإبداعي الذي ضم المخرجتين مريم الخترش وحصة الحميضي، إلى جانب زينة أمونة ولجين البشاش ومحمد الملا ومريم درويش، كما يستحق فريق مركز جابر الأحمد الثقافي الإشادة على التنظيم الاحترافي والدعم الكبير الذي قدمه لإنجاح الحفل، بدءا من المراقب العام خالد عبدالكريم، وصولا إلى فريق العلاقات العامة المتميز المكون من بدر الزواوي ومنار الوقيان ولطيفة الهاجري، الذين كان لهم دور بارز في تقديم أمسية تليق بمكانة هذا الصرح الثقافي الرائد.