مفرح الشمري
لم تكن محاضرة الفنان محمد الحملي في مسرح الشامية مجرد حديث عن «النص في المسرح الجماهيري»، بل تحولت إلى قراءة في واقع مسرح الطفل ومستقبله، وما يحتاج اليه هذا المسرح ليستعيد حضوره وتأثيره في ذاكرة الأجيال.
وجاءت المحاضرة ضمن فعاليات مهرجان «صيفي ثقافي 18» الذي ينظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وتحدث خلالها الحملي بحضور عدد من المهتمين بالشأن المسرحي، وتصدى لإدارتها عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للفنون المسرحية د.محمد المهنا، عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية، في مسرح الشامية.
الحملي تحدث من موقع الفنان المحب للمسرح، مستعيدا صورة العرض الذي كان يمنح الطفل حكاية وشخصيات ومواقف، ويقدم له تجربة مسرحية متكاملة، بدلا من الاكتفاء بالاستعراضات والأغنيات التي تراهن على الإبهار اللحظي.
ويرى أن المسرح الاستعراضي حالة لها حضورها وظرفها، لكنها ليست بالضرورة الشكل الذي يستمر، مؤكدا أن مسرح الطفل الحقيقي يستطيع العودة، لأن الطفل قد ينجذب إلى الإبهار، لكنه في النهاية يتذكر الحكاية والشخصيات والتجربة التي لامست خياله.
وفي حديثه عن الاستعانة بمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، كان الحملي واضحا في الفصل بين الشهرة والموهبة المسرحية، فأرقام المتابعين، في رأيه، لا تكفي وحدها لتقديم شخص إلى الخشبة، لأن المسرح له أدواته ومتطلباته، والممثل يحتاج إلى الحضور والقدرة على الأداء والتواصل والإحساس، إلى جانب المعرفة والخبرة.
ولا يرى الحملي مشكلة في الاستعانة بالمشاهير في حالات محدودة، خصوصا إذا كان الشخص يمتلك موهبة حقيقية وقدرة على التعامل مع المسرح، لكنه يرفض أن تتحول الشهرة وحدها إلى معيار لاختيار الممثلين، فالخشبة، كما يقول، لا تجامل أحدا، وما قد ينجح في منصات التواصل ليس بالضرورة ما ينجح فوق المسرح.
ومن هنا تبرز دعوته إلى منح خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية مساحة أكبر في صناعة عروض مسرح الطفل، باعتبارهم أصحاب اختصاص درسوا التمثيل والإخراج والكتابة ومختلف عناصر العمل المسرحي.
فمسرح الطفل، في نظره، ليس مساحة سهلة أو تجربة يمكن خوضها من دون معرفة، بل يحتاج إلى صناع يدركون طبيعة الطفل ووعيه وخياله، ويعرفون كيف يقدمون له عرضا يحترم عقله ويخاطب مشاعره في الوقت نفسه.
ولم يكن الحنين إلى عروض الماضي في حديث الحملي مجرد دعوة لاستنساخ التجارب القديمة، بل جاء مرتبطا بفكرة إعادة تقديم بعض الأعمال التي نجحت في الوصول إلى الطفل وتركت أثرا حقيقيا لديه، فإعادة بعض العروض القديمة، بالنسبة إليه، ليست عودة إلى الوراء، وإنما محاولة للاستفادة من تجارب أثبتت قدرتها على البقاء في الذاكرة، فالقديم ليس دائما قديما، وأحيانا يكون هو ما نفتقده اليوم.
بين النص والاستعراض، وبين الموهبة والشهرة، وبين التجديد والاستفادة من تجارب الماضي، تبقى الخشبة هي الحكم، فالطفل قد يضحك ويصفق أمام عرض مبهر، لكنه يحتفظ في ذاكرته بما منحه حكاية وشخصيات وخيالا وتجربة تركت فيه أثرا، وهنا ما يراه محمد الحملي أن مسرح الطفل الحقيقي لم يختف، وسيعود في السنوات المقبلة بالشكل الذي نعرفه.