مفرح الشمري
يقدم الروائي هيثم بودي تجربة توثيقية ذات طابع أدبي في كتابه «دخان الملاحم»، الذي يجمع بين السرد الروائي والوقائع التاريخية، مستلهما قصصا حقيقية لشهداء الكويت خلال الغزو العراقي عام 1990، ويضع الشهيد في قلب المشهد بوصفه إنسانا عاش أحلامه وحياته قبل أن يخلد اسمه في سجل البطولة الوطنية.
ولا يقتصر العمل على استعراض أحداث المقاومة أو المعارك، بل يسلط الضوء على تفاصيل حياة أبطال من مختلف فئات المجتمع، من العسكريين، والأطباء، ورجال الإطفاء، والمقاومين، مؤكدا أن الدفاع عن الوطن كان مسؤولية حملها الجميع، كل من موقعه.
ويستهل الكتاب بقصة «شهداء معسكر الجيوان»، التي توثق صمود الجنود الكويتيين في الساعات الأولى للغزو، حيث واجهوا القوات المعتدية بإمكانات محدودة وإرادة راسخة، قبل أن يعود أحد الناجين، بعد أكثر من ثلاثة عقود، ليستحضر ذكرى رفاقه الذين ارتقوا دفاعا عن الكويت، في مشهد يجسد الوفاء لتضحياتهم.
كما يبرز العمل بطولة المرأة الكويتية من خلال قصة «الطبيبة»، التي تخاطر بحياتها لإنقاذ الضباط والجنود الجرحى وتهريبهم من المستشفى الخاضع لسيطرة الاحتلال.
وبعد نجاحها في إنقاذ عدد كبير منهم، تكتشف مهمتها، وتواجه مصيرها بثبات حتى تنال الشهادة، لتبقى نموذجا للعطاء والشجاعة.
وفي قصة «شهداء قصر نايف»، يرصد الكاتب اللحظات الأخيرة لثلاثة مقاومين وقفوا أمام فرقة الإعدام بإيمان وثبات، في مشهد يبرز قوة العقيدة والتمسك بالوطن حتى النفس الأخير، لتتحول لحظة الاستشهاد إلى رمز خالد في الذاكرة الوطنية.
ولا يغفل الكتاب أبطال الجبهة المدنية، إذ يكرم، في قصة «البئر الأخير»، رجال إطفاء آبار النفط الذين خاطروا بأرواحهم لإخماد الحرائق التي أشعلها الاحتلال، مستعرضا ما قدموه من تضحيات خلال مرحلة إعادة إعمار الكويت، ليؤكد أن البطولة لا تقتصر على ساحات القتال.
ويتناول الكتاب أيضا قصتي «شهيد الجو» و«شهيد البحر»، اللتين تجسدان بطولات رجال القوات الجوية والبحرية في مواجهة الغزو. ففي الأولى يحلق الشهيد مدافعا عن سماء الكويت حتى لحظة استشهاده، بينما ترصد الثانية صمود رجال البحر الذين بقوا في مواقعهم دفاعا عن السواحل والموانئ، في تأكيد على أن ميادين الدفاع عن الوطن امتدت إلى البر والبحر والجو.
ويتميز «دخان الملاحم» بتحويل الشخصيات التاريخية إلى نماذج إنسانية نابضة بالحياة، يمنحها الكاتب مساحة للتعريف بأحلامها وأسرها ورسائلها، لتصبح الشهادة امتدادا لمسيرة من العطاء،
لا نهاية للحكاية.