يا من تخافون على أرزاقكم خافوا الله قبل كل شيء واعلموا أنه (وفي السماء رزقكم وما توعدون فوربّ السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون) (الذاريات: 22، 23) فما عند الناس ينفد وما عند الله باق، وأرزاقنا لا تعدونا كثيرة كانت أو قليلة، وليس ثم أمر افضل من التوكل على الله وحسن الظن به، فالله تعالى عند ظن العباد به، ولنتأمل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا»، ولله در الشافعي حيث يقول:
عليك بتقوى الله إن كنت غافلا
يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري
فكيف تخاف الفقر والله رازق
فقد رزق العصفور والحوت في البحر
ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة
لما أكل العصفور يوما مع النسر
والحمد لله أن الرزق بيد الله الرزاق، ولو كانت الأرزاق بيد البشر لطغى بعضهم على بعض. روي أن عروة بن أذينة دخل على هشام بن عبدالملك في خلافته فقال له: أولست القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعنيني تطلبه
ولو قعدت أتاني لا يعنيني
وأراك قد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق! فقـال عـروة: زادك الله بسطة في العلم يا أمير المؤمنين، لقد بالغت بالوعظ وذكرتني ما أنسانيه الدهر، ثم خرج من فوره إلى راحلته وركبها وتوجه إلى الحجاز، فلما كان في الليل ذكره هشام فقال: رجل من قريش قال حكمة ووفد إلي فجبهته ورددته عن حاجته، ومع ذلك فهو شاعر ولا آمن ما يقول، فلما أصبح سأل عنه فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم، ليعلم أن رزقه سوف يأتيه كما قال، ثم دعا مولى له وأعطاه ألفي دينار وقال له: الحق به، وأعطه إياها، فذهب إلى المدينة وقرع باب منزل عروة، فخرج إليه، فأعطاه المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين قولي: سعيت فأكديت، ورجعت إلى بيتي فأتاني رزقي.
وختاما، فما دمنا نعرف أن آجالنا وأرزاقنا مكتوبة ومحسوبة فلندفع عنا همها ونلتفت إلى ما فيه خير لنا في دنيانا وآخرتنا. ودمتم سالمين.