مفرح الشمري
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب؟ فقد أثبت قدرته على إنتاج النصوص بسرعة كبيرة، وتنظيم الأفكار، واقتراح الصياغات، ومحاكاة أنماط لغوية وأساليب مختلفة. لكن السؤال الأهم، وربما الأكثر إلحاحا، يتعلق بما يحدث للنص الأدبي عندما تدخل هذه التقنية في صميم العملية الإبداعية: أين يبقى الإنسان عندما تشارك الآلة في صناعة النص؟
هذا السؤال كان حاضرا في حديث الباحث والكاتب المسرحي د.عباس القصاب، ضمن بودكاست «العلاقة بين النص الأدبي والذكاء الاصطناعي» وأدارت حواره الشاعرة نادية الملاح، وتصدى لتنظيمه اتحاد المسرحيين بمملكة البحرين، حيث تناول العلاقة المتشكلة بين الكاتب والذكاء الاصطناعي، وما تثيره من أسئلة تتصل بطبيعة النص الأدبي، وخصوصيته، وحضور التجربة الإنسانية فيه. ولا ينطلق القصاب من موقف رافض للذكاء الاصطناعي أو يتعامل معه بوصفه خصما للإبداع، بقدر ما يتوقف عند الكيفية التي يستخدم بها الكاتب هذه الأداة، وحدود حضورها في العملية الإبداعية، فالنص الأدبي، في جوهره، ليس مجرد كلمات مرتبة بصورة جيدة، وإنما هو نتاج تجربة ووعي وثقافة وذاكرة واحتكاك بالحياة، فالكاتب لا يكتب فقط بما يعرفه، وإنما يكتب أيضا بما عاشه وشاهده وتأثر به، وهذه المسافة بين التجربة الإنسانية والكلمة هي التي تمنح النص خصوصيته، وتجعله قادرا على الوصول إلى القارئ والتأثير فيه.
ومن هنا تبرز إحدى الإشكالات الأساسية في توظيف الذكاء الاصطناعي في الكتابة، إذ قد ينتج استخدامه غير الواعي نصوصا تبدو مكتملة من الناحية التقنية، ومتماسكة من حيث اللغة والصياغة، لكنها تفتقد ذلك العنصر الإنساني الذي يمنح النص هويته وفرادته. فالذكاء الاصطناعي يستطيع التعامل مع المادة التي يضعها الإنسان أمامه، وإعادة تشكيلها وتطويرها واقتراح مسارات مختلفة لها. غير أن نقطة البداية تظل، في جوهرها، إنسانية، فالفكرة والأسئلة والتجربة والرغبة في التعبير هي التي تمنح العملية الإبداعية اتجاهها، وهنا تكمن أهمية أن يظل الكاتب حاضرا في النص، لا بوصفه مجرد مستخدم لأداة تقنية، وإنما بوصفه صاحب رؤية وتجربة وصوت خاص.
ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في أن يستخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي، وإنما في أن يسمح له بأن يصبح بديلا عن صوته الخاص. فعندما تتشابه النصوص، وتتقارب اللغة، وتصبح الصياغة أكثر لمعانا من التجربة التي تقف خلفها، فإن النص قد يفقد جزءا من هويته، حتى وإن بدا مكتملا من الناحية الفنية.
وفي هذا السياق، تبرز قيمة ما يمكن تسميته بـ «نقص الإنسان»، فالأدب لا يصنعه الكمال التقني وحده، الإنسان يخطئ، ويتردد، ويتناقض، ويتألم، ويعيد النظر في أفكاره، وهذه التفاصيل التي قد تبدو في ظاهرها نقاط ضعف، يمكن أن تتحول في العمل الأدبي إلى عناصر تمنحه الصدق والجمال والخصوصية.
فالنص المثالي من الناحية التقنية ليس بالضرورة نصا صادقا في إحساسه، كما أن اللغة المصقولة لا تعني بالضرورة وجود تجربة عميقة تقف خلفها، ومن خلال هذا الطرح، تبدو العلاقة بين النص الأدبي والذكاء الاصطناعي أوسع من مجرد دخول تقنية جديدة إلى عالم الكتابة، إنها نقاش حول مستقبل الإبداع، وحول الحدود التي ينبغي أن تبقى واضحة بين الأداة وصاحب التجربة، وبين القدرة على إنتاج الكلمات والقدرة على منح هذه الكلمات معنى.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في أن تكتب الآلة، بقدر ما تكمن في أن يفقد الإنسان السبب الذي يدفعه إلى الكتابة، فالمشكلة ليست في أن تكتب الآلة.. المشكلة حين ننسى نحن لماذا نكتب!