- د.يعقوب الكندري: إن وقع فليكن «بإحسان» ويجب عدم التشجيع على الانفصال
- آلاء السعيدي: يسهم في حماية الأبناء والمطلقات..ويختصر 8 دعاوى قضائية
- صالح النهام: يتوافق مع الشريعة الإسلامية..ويخفف من احتمالات نشوء الكراهية
عبدالكريم أحمد
في الوقت الذي يمثل فيه الطلاق نهاية للحياة الزوجية، فإنه لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة بين طرفيها، لاسيما في ظل وجود أبناء إذ تبقى مسؤوليات الأبوة والأمومة قائمة، وتظل آثار الانفصال حاضرة في حياة الأسرة، ومن بين صور الانفصال التي تبرز في هذا السياق «الطلاق الصلحي» أو «الطلاق بالتراضي»، الذي يقوم على اتفاق الزوجين على إنهاء العلاقة وتنظيم ما يترتب عليها من حقوق وواجبات، بعيدا عن الخصومات والنزاعات القضائية المرهقة والطويلة.
ولكن هل يمكن أن يكون «الطلاق الصلحي» وسيلة للحد من أضرار الانفصال؟ وما إيجابياته وسلبياته؟ وهل ينجح الاتفاق الـودي في منع الخلافات من العودة مستـقبلا مع تغير ظروف الزوجـين والأبنــاء؟.
«الأنباء» استطلعت أراء أستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت د.يعقوب الكندري، والمحامية آلاء السعيدي، والداعية صالح النهام للاجابة عن هذه التساؤلات، من خلال رؤى اجتماعية وقانونية وشرعية تتفق على ضرورة عدم اللجوء إلى الطلاق إلا عند استحالة العشرة، مع أهمية حفظ الحقوق ومراعاة الأبناء، وفيما يلي التفاصيل:
في البداية، أكد أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت د.يعقوب الكندري أن الطلاق باعتباره قرارا يمس كيان الأسرة وتكوينها وتربية الأبناء، يجب ألا يكون خيارا سهلا أو أمرا يمكن اللجوء إليه لمجرد وجود الخلافات الزوجية، مشددا على ضرورة استحضار التوجيه القرآني «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
وقال الكندري إن الطلاق يرتبط بالأسرة وكيانها وما تقوم به من أدوار في تكوين أفراد المجتمع وتربية الأبناء، ولذلك فإن التعامل معه يجب أن يكون بحذر ومسؤولية، مؤكدا أن الانفصال مهما كانت أسبابه يترك أثرا اجتماعيا ونفسيا على الزوجين، مبينا انه لا يميل إلى إطلاق وصف «الطلاق الناجح» على الانفصال، لأن الطلاق بطبيعته يسبب أذى اجتماعيا ونفسيا ويترك أثرا بالغا على الزوجين، حتى لو كان الانفصال في بعض الحالات قد يعود بالمنفعة على الطرفين نتيجة عدم التوافق واستحالة استمرار الحياة الزوجية.
أقل ضرراً
وأوضح أن ذلك لا يمنع من وجود طرق وأساليب تجعل الطلاق، إذا أصبح أمرا لا مفر منه، أقل ضررا من الطلاق المتعارف عليه، مشيرا إلى أن بعض حالات عدم التوافق قد تجعل الانفصال الخيار الأقل ضررا، لكن ذلك لا يعني تشجيع الأزواج على الطلاق أو تقديمه باعتباره حلا سهلا للخلافات، مشددا على أهمية وجود توافق واضح بين الزوجين قبل إتمام الطلاق بشأن الأبناء والنفقات ومختلف المسائل المتعلقة بالحياة الزوجية، إلى جانب الاتفاق على عدم الإساءة أو الحديث عن الطرف الآخر بصورة تؤثر عليه أو على الأبناء.
وأكد أن المشاكل والخلافات أمر وارد بين الأزواج، وأن التغلب عليها يحتاج إلى الوقت والحكمة من الرجل والمرأة معا، وأن الزوجين يفترض ألا يلجآ إلى الطلاق إلا في الحالات التي يصبح فيها التوافق بينهما متعذرا وإذا وصل الأمر إلى الانفصال، فينبغي أن يتم بصورة انسيابية قائمة على التفاهم، وأن ينتهي بود كما بدأت الحياة الزوجية، محذرا من تقديم الطلاق على أنه يحمل فوائد أو إيجابيات بصورة قد تشجع الأزواج على الانفصال، لأن مثل هذا الطرح قد يجعل البعض يتعامل مع الطلاق باعتباره خيارا سهلا لإنهاء الحياة العاطفية عند أول أزمة أو خلاف.
ولفت إلى أنه إذا وقع الطلاق، وهو «أبغض الحلال»، فينبغي أن يتم بالطريقة الحسنى، وأن يكون «تسريحا بإحسان»، بما يمنع إثارة المشاكل والخلافات والخصومات بين الزوجين، ويحمي الأبناء من انعكاسات الانفصال على حياتهم ومستقبلهم، ويتم بطريقة ودية تحفظ الاحترام بين الطرفين، بحيث يخرج الزوجان من العلاقة كما دخلا إليها، بالود والاحترام، دون تحويل الانفصال إلى خصومة أو صراع يمتد أثره إلى الأبناء والأسرتين.
وسيلة حماية
ومن الجانب القانوني، أكدت المحامية آلاء السعيدي أن «الطلاق الصلحي» يمثل وسيلة لحماية الأبناء وإبعادهم عن دائرة الصراعات والخلافات بين والديهم، بما يسهم في الحد من الآثار السلبية للطلاق على الأسرة والأجيال القادمة.
وقالت السعيدي إن «الطلاق الصلحي» يأخذ قوة القانون بموافقة الزوجين، ويضمن حقوق الطرفين دون نزاع، موضحة أن هذا النوع من الطلاق يقوم على التراضي والتفاهم، ويتيح معالجة المسائل المتعلقة بالانفصال وشؤون الأبناء والحقوق والواجبات بصورة ودية، بدلا من الدخول في مفاوضات ونزاعات قد تتفاقم وتتحول إلى قضايا أمام المحاكم، ويتم من خلال عقد يبرم في مكتب المحاماة بين الزوجين أو بين المطلقين الراغبين في الاتفاق على شؤون أبنائهم والحقوق والواجبات فيما بينهم بعد الطلاق، مشيرة إلى أنه يختصر 8 قضايا تنظرها محكمة الأسرة، وهي: الطلاق للضرر وإثبات الحضانة والنفقات والعدة والمتعة والولاية التعليمية وتجديد الأوراق الثبوتية والرؤية والسفر بالمحضون.
وأوضحت أنه يختلف عن الطلاق العادي في كونه يتم بالتراضي والتفاهم بين الطرفين ومن خلال إجراءات مبسطة، في حين أن الطلاق العادي قد يتم دون رضا أحد الطرفين أو برضاهما معا، ويتم عبر إجراءات تقاض مطولة، بما قد يترتب عليه من سلبيات على الأسرة والمجتمع، لافتة إلى أن المشاكل الشائكة قد تتفاقم في حال اللجوء إلى التقاضي بين الطرفين، مؤكدة أن ذلك يمكن تجنبه من خلال الوصول إلى حل صلحي، بدلا من الدخول في نزاعات قضائية وما يتبعها من آثار سلبية، مؤكدة أن «الطلاق الصلحي» يأخذ قوة القانون، إذ يتم تذييل العقد بصيغة تنفيذية من خلال توثيقه ورفعه بدعوى قضائية، ليصبح حكما من أحكام القضاء، مشيرة إلى أن محاكم الأسرة أصدرت خلال الآونة الأخيرة عدة أحكام تتعلق ب «الطلاق الصلحي».
وبينت أن من أبرز إيجابيات «الطلاق الصلحي» حماية الأبناء وإبقائهم خارج دائرة صراعات الآباء والأمهات، الأمر الذي يخفف من تداعيات وسلبيات المشاكل الناتجة عن الطلاق، ويساهم في الحفاظ على الاحترام بين الأبوين بعد الانفصال، بما ينعكس إيجابا على الأبناء ومستقبلهم.
وأشارت إلى أن المطلقات يعانين في بعض الحالات من إشكالات تتعلق بالولاية التعليمية والسفر بالمحضون، موضحة أنه يتيح إثبات حضانة المطلقة وكسبها الولاية التعليمية دون الحاجة إلى رفع دعوى قضائية مستقلة تختصم فيها طليقها، وهو ما يرفع عن كثير من المطلقات معاناة اللجوء إلى القضاء في هذه المسائل.
وشددت على أن الطلاق الصلحي يضمن حقوق الطرفين من خلال توثيق جميع ما يتم الاتفاق عليه وديا بين الزوجين في عقد الطلاق الصلحي، بما يحفظ حقوق كل طرف ويحدد واجباته والتزاماته بصورة واضحة.
ووجهت نصيحة إلى الأزواج بأن يتقوا الله في بعضهم، وأن يضعوا مصلحة أبنائهم ومستقبلهم في عين الاعتبار، وأن يسعوا إلى حل خلافاتهم بهدوء وحكمة، وألا يلجأوا إلى الطلاق إلا في حال استحالة استمرار العشرة الزوجية.
منع القطيعة
بدوره، أكد الداعية الشيخ صالح النهام أن «الطلاق الصلحي» أو الطلاق بالتراضي يتوافق مع الشريعة الإسلامية التي تحث على الصلح وإنهاء الخلافات بالمعروف، مستشهدا بقول الله تعالى: (والصلح خير»)، حيث إن الأصل في الشريعة هو الصلح في الأمور وإنهاء الخلافات بما يحفظ الحقوق ويمنع الظلم والقطيعة.
وقال النهام إن «الطلاق الصلحي» يتشابه مع أحكام الخلع أو الاتفاق الودي عند تعذر استمرار الحياة الزوجية، شريطة ألا يخالف نصا شرعيا أو يضيع حقا واجبا، مبينا أن هذا الأمر تعتمده محاكم الكويت، موضحا انه يقوم على اتفاق الزوجين بهدوء على إنهاء العلاقة وتنظيم كافة الحقوق والواجبات دون نزاع، ويشمل الاتفاق على النفقات والحضانة والرؤية وغيرها من الأمور المتعلقة بالزوجين والأبناء، ثم يتم توثيقه رسميا من خلال مكاتب المحاماة وإثباته في المحكمة.
وأضاف أن كثيرا من الأزواج يلجأون إلى «الطلاق الصلحي» بدلا من اللجوء إلى المحاكم، حيث يبرم الزوجان عقد اتفاق على الطلاق، وبعد الاتفاق بالتراضي على النفقات والحقوق والواجبات يرفع العقد إلى القاضي، فإذا اعتمده أصبح موثقا وملزما للطرفين، دون الحاجة إلى رفع قضايا متعددة أو الدخول في نزاعات قضائية طويلة، مشيرا إلى أن الطلاق الصلحي يحقق جوانب إيجابية عدة، أبرزها التخفيف من الآثار النفسية للانفصال على الزوجين، وتقليل الأعباء المالية المرتبطة بالتقاضي وأتعاب مكاتب المحاماة، فضلا عن اختصار الوقت بدلا من بقاء القضايا في المحاكم سنوات طويلة وتأخر تسلم النفقات، وما قد يصاحب عدم الالتزام بالسداد من إجراءات كالضبط والإحضار ومنع السفر.
ولفت إلى أن القضايا قد تتدرج من المحكمة الكلية إلى الاستئناف ثم التمييز، وهو ما يجعل الطلاق الصلحي وسيلة لاختصار الوقت والجهد على الزوجين وتجنب التقاضي لسنوات طويلة، إلى جانب الحفاظ على الوجاهة والتسامح والمودة والمحبة بين الطرفين، كما انه يخفف من احتمالات نشوء الكراهية والبغضاء التي قد تنتج عن النزاعات، والتي قد تدفع الزوج أو الزوجة إلى الحديث عن الآخر أمام الناس وتشويه سمعته، بما قد يؤثر على فرص الزواج مستقبلا لكلا الطرفين.
تجنب العداوات
وأضاف النهام أن الخلافات قد تمتد آثارها إلى الأبناء، فقد تقوم الأم بتشويه صورة الأب أمام أبنائها أو العكس، كما قد تتجاوز الزوجين إلى الأسرتين والعائلتين، خصوصا إذا كانت بينهما صلة رحم، فتبدأ الكراهية ويتبادل أفراد العائلتين اللوم والحديث عن أسباب الطلاق، ويسهم في تجنب هذه العداوات، وحصر الأمور داخل الأسرة، والحفاظ على المودة والمحبة والاحترام بين الطليقين، مع بقاء الأمل في عودة الحياة الزوجية من جديد، وعدم فقدان الاحترام بينهما، بما يحافظ كذلك على المحبة والمودة بين الأبناء، موضحا انه كان عقد تراض بين الطرفين، فإنه يكون موثقا وملزما لهما، ويحفظ الحقوق والالتزامات المتفق عليها.
وفي مقابل هذه الإيجابيات، أشار النهام إلى أن أبرز معضلات الطلاق الصلحي قد تظهر في المستقبل، مع تغير ظروف الزوجين واحتياجات الأبناء، وان المطلق قد يتزوج امرأة أخرى ويصبح لديه التزامات جديدة، فيطالب بتعديل عقد الاتفاق وتخفيف بعض النفقات المتعلقة بطليقته وأبنائه منها، بينما قد تطالب المطلقة بزيادة نفقات الأبناء مع تقدمهم في العمر وارتفاع احتياجاتهم، سواء للسفر أو مستلزمات المدارس وغيرها، وقد يدفع أحد الطرفين إلى المطالبة بتعديل عقد الاتفاق، في حين قد يرفض الطرف الآخر الزيادة أو يرفض التنازل عن بعض المبالغ المتفق عليها.
وذكر أن المشكلة قد تتفاقم مع كبر الأبناء وارتفاع احتياجاتهم المالية، أو إذا تزوج المطلق وأنجب أبناء من الزوجة الأخرى، أو تزوجت المطلقة، إذ قد يصبح الطلاق الصلحي مهددا بالانهيار وعودة الخلافات بين الطرفين، كما أن زواج المطلق من أخرى قد يثير غضب طليقته، باعتبار أنها تتولى رعاية أبنائه بينما هو بدأ حياة زوجية جديدة، كما قد يحدث العكس إذا تزوجت المطلقة، فيغضب طليقها ويشعر بأنها تركت أبناءه وانشغلت بزوجها الجديد، معتبرا أن هذه من أبرز المعضلات التي قد تظهر مستقبلا.
وشدد على ضرورة الاتفاق على جميع هذه المسائل والمستجـــدات المحتملة قبل إبرام عقد الطلاق الصلحي، بحيث يتضمن العقد ما يمكن توقعه مستقبلا، خصوصا في حال زواج المطلق أو المطلقة، أو زيادة احتياجات الأبناء والنفقات المتعلقة بهم، حتى لا يفاجأ الطرفان لاحقا بمعضلات أو خلافات جديدة.
إصلاح الحياة الزوجية
تتفق الآراء الثلاثة على أن محاولة إصلاح الحياة الزوجية تظل مقدمة على الانفصال، فإذا تعذر استمرارها وأصبح الطلاق أمرا لا مفر منه، فإن إنهاء العلاقة بالمعروف، وحفظ الاحترام والحقوق، وإبعاد الأبناء عن الصراع، قد يكون الطريق الأقل ضررا للجميع.
إدارة الانفصال
تكمن قيمة الطلاق الصلحي في كيفية إدارة الانفصال بعد اتخاذ قرار الطلاق، من خلال اتفاق يقــوم على التفاهـــم وحفـــظ الحقـــوق ومـــراعاة الأبنــــاء والاستعـــداد للتغيـــرات المستقبليـــة، بما يسهــــم في تقليل مساحة الخصومة التي قد تلاحق الأســـرة حتى بعد انتهــــاء العلاقـــة الزوجية.