ياسر العيلة
«الزمن لا يعود إلى الوراء أبدا، ماذا لو منحتك الصدفة فرصة وحيدة وأخيرة لتسمع العزيز الذي خسرته بسبب ما أفسده شيطان عقلك؟». ربما كانت هذه العبارة التي تظهر في مقدمة الفيلم السينمائي الكويتي «مغلق للصيانة» كفيلة وحدها باختصار فكرته ومضمونه، فهي تضع المشاهد منذ اللحظة الأولى أمام رحلة إنسانية مشحونة بالندم والعتاب ومواجهة النفس، وتطرح سؤالا مؤثرا: هل يمكن أن تمنحنا الحياة فرصة ثانية لإصلاح ما أفسدناه بأيدينا؟ تدور أحداث الفيلم حول المخرج محمد، الذي يجسد شخصيته الفنان محمد العلوي، والذي يلتقي بطليقته روان، التي تقدمها النجمة المصرية آيتن عامر، داخل مبنى البلدية في نهاية يوم الخميس، قبل أن يجد الاثنان نفسيهما عالقين داخل مصعد يتعطل نتيجة خلل كهربائي، ومن هنا تبدأ رحلة من التشويق والغموض، لكنها في الوقت نفسه رحلة إلى الماضي، يستعيد خلالها الطليقان تفاصيل علاقتهما منذ اللقاء الأول، مرورا بالزواج، وصولا إلى الانفصال.
نجح الفيلم في تحويل المصعد، ذلك المكان الضيق والمغلق، إلى مساحة أوسع بكثير من أبعاده، إذ أصبح شاهدا على مواجهة قاسية بين شخصين فرقتهما الأخطاء، وجمعتهما الصدفة مرة أخرى في ظروف استثنائية. أما روان، فهي شخصية تحمل الكثير من الألم، فتاة حلمت بالفن والنجومية، لكنها وجدت نفسها محاصرة بين ظروف عائلية قاسية وعلاقة زوجية لم تمنحها الأمان أو الدعم الذي كانت تبحث عنه. وتأتي النهاية الصادمة لتمنح الأحداث بعدا أكثر تأثيرا، فبينما يظن المشاهد أن هناك فرصة جديدة قد تجمع البطلين أو على الأقل تمنحهما فرصة للتسامح، تأتي لحظة الفراق الأخيرة لتؤكد أن بعض الفرص قد تأتي متأخرة، وأن الزمن بالفعل لا يعود إلى الوراء.
بشكل عام، أرى أن «مغلق للصيانة» تجربة ممتعة وإضافة جيدة إلى رصيد السينما الكويتية والخليجية، وقد استطاع الكاتب والمخرج والمنتج عمار الموسوي أن يقدم رؤية بصرية جميلة. وليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها السينما على مكان مغلق لتقديم دراما مشوقة، فقد شاهدنا من قبل تجارب عربية وعالمية عديدة، ولعل الفيلم المصري الكلاسيكي «بين السما والأرض» من أبرز الأعمال التي ارتبطت أحداثها بفكرة المصعد، لكن «مغلق للصيانة» حاول تقديم تجربته الخاصة بروح معاصرة، تجمع بين التشويق والدراما واللمسات الكوميدية. على مستوى الأداء، قدم محمد العلوي واحدا من أجمل أدواره، وجاء أداؤه مقنعا وصادقا، حيث بدا وكأنه يعيش تفاصيل شخصية محمد بكل تناقضاتها وضعفها وأخطائها، كما نجح في تكوين ثنائية جميلة مع آيتن عامر، التي قدمت بدورها أداء مميزا في ثاني تجاربها الفنية في الكويت بعد مشاركتها في مسلسل «زوجة واحدة لا تكفي». وأكدت آيتن في «مغلق للصيانة» أنها ممثلة موهوبة تمتلك أدواتها، واستطاعت التعبير ببساطة وعفوية عن معاناة روان، سواء مع تسلط الأسرة أو خيبة الأمل في الزواج وتحطم حلمها الفني، وكان أداؤها بعيدا عن المبالغة، وهو ما منح الشخصية صدقا وإنسانية. أما الفنان خالد العجيرب، فكان بحق أحد مفاجآت العمل، حيث أضفى من خلال شخصية الفنان أسامة المزيون أجواء من البهجة والمرح، خففت كثيرا من قتامة الأحداث، فيما نجح الفنانان الراحلان سليمان عيد وأحمد حمدي في تقديم حضور كوميدي جميل ومحبب للجمهور. كما قدم الفنان حسن إبراهيم شخصية ضابط الإطفاء بتمكن، بينما أكد صالح الدرع موهبته من خلال أداء تلقائي وعفوي، وقدمت الفنانة ريهام غنيم شخصية شقيقة روان بإتقان، خاصة في التعبير عن مشاعر الغيرة والرفض والتمرد على واقعها. وشارك الزميل الإعلامي نايف الشمري في الفيلم كضيف شرف، جسد شخصية مذيع تلفزيوني، وقدمه الشمري بشكل متقن. في النهاية، يبقى «مغلق للصيانة» فيلما جيدا وتجربة سينمائية تستحق التقدير، ليس فقط لما يقدمه من تشويق ودراما، ولكن لأنه يضيف عملا جديدا إلى مسيرة السينما الكويتية التي تحتاج دائما إلى المزيد من التجارب والإنتاج والاستمرارية. ويواصل عمار الموسوي، من خلال الفيلم، مشواره السينمائي ككاتب ومخرج ومنتج، مؤكدا حضوره كأحد أبرز الأسماء التي ساهمت في إثراء الإنتاج السينمائي الكويتي وتقديم أفلام تحمل طموحا ورغبة حقيقية في تطوير هذه الصناعة.
فيلم يذكرنا، في النهاية، بأن الحياة قد تمنحنا أحيانا فرصة أخيرة للاعتذار والمواجهة والتسامح، لكن السؤال الذي يبقى معلقا بعد انتهاء الأحداث: هل نمتلك الشجاعة لاستغلال تلك الفرصة قبل فوات الأوان؟