مفرح الشمري
المذيع لا يقاس بعدد الكلمات التي يقولها، ولا بعدد مرات ظهوره على الشاشة، ولا بعدد الساعات التي يقضيها أمام الجمهور، فالحضور الحقيقي ليس بكثرة الظهور، وإنما بما يتركه هذا الظهور من أثر.
في عالم الإعلام، قد يظن البعض أن كثرة الحديث دليل على الحضور، وأن تكرار الظهور يعني النجاح، لكن الحقيقة مختلفة تماما، فالمشاهد لا يبحث عن شخص يتحدث طوال الوقت، بقدر ما يبحث عن صوت يحمل فكرة، وعن مذيع يشعر معه أن للكلمة قيمة ومعنى.
التكرار، عندما يتجاوز حده، يفقد الكلام بريقه. الفكرة نفسها، والعبارات نفسها، والنبرة نفسها، تجعل المتلقي يشعر بأن المحتوى يدور في دائرة مغلقة، ومع الوقت، لا يعود ينتظر ما سيقال، لأنه يعرف مسبقا ما سيسمع!
وهنا تظهر مسؤولية المذيع، فليس المطلوب أن يتحدث لمجرد أن هناك وقتا على الهواء، وإنما أن يعرف لماذا يتحدث، وماذا يريد أن يوصل، وكيف يمكن أن يصل إلى الناس بطريقة مختلفة وقريبة من القلب.
المذيع الناجح يعرف أن الصمت أحيانا أبلغ من الكلام، وأن الجملة القصيرة قد تحمل أثرا أكبر من حديث طويل. ويعرف أيضا أن لكل موضوع لغته، ولكل موقف نبرته، وأن المشاهد ليس مجرد متلق للكلمات، بل إنسان لديه مشاعر ووقت واهتمامات.
فالحضور أمام الكاميرا وحده لا يصنع مذيعا مؤثرا، قد ترى شخصا يتكرر ظهوره يوما بعد يوم، لكن حضوره يمر دون أن يترك شيئا في الذاكرة، وفي المقابل، هناك مذيعون قد لا يظهرون كثيرا، لكن عندما يتحدثون ينصت لهم الناس، لأنهم لم يعتادوا تقديم الكلام لمجرد الكلام، بل اختاروا لكل ظهور قيمة، ولكل كلمة مكانها.
الإعلام في جوهره مسؤولية قبل أن يكون شهرة، والمذيع الذي يحترم هذه المسؤولية لا يسأل نفسه فقط: كم مرة ظهرت؟ بل يسأل: ماذا قدمت؟ ماذا أضفت؟ وهل تركت في المشاهد فكرة جديدة، أو شعورا جميلا، أو معلومة تستحق أن تبقى؟
لذلك، لا ينبغي أن يتحول الظهور إلى غاية بحد ذاته، ولا أن يصبح التكرار وسيلة لإثبات الحضور. فالجمهور أذكى مما نعتقد، ويستطيع أن يميز بين الحضور الحقيقي والحضور المصطنع، وبين من يأتي إلى الشاشة ليقدم شيئا، ومن يأتي إليها فقط ليرى، الشاشة لا تحتاج إلى من يملأها بالكلام، بل إلى من يملأها بالمعنى، فالحضور الحقيقي ليس أن يراك الناس كثيرا، وإنما أن يتذكروك ماذا قلت!