مفرح الشمري
بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن، شيعت الحركة التشكيلية في الكويت أمس الفنان التشكيلي والنحات عبدالحميد إسماعيل حسين، الذي رحل عن عمر ناهز ٨٦ عاما، تاركا وراءه تجربة فنية ثرية، واسما بارزا في تاريخ النحت والحركة التشكيلية الكويتية.
جسد رحيله غياب واحد من أبرز فناني الجيل الذي حمل مسؤولية تأسيس التجربة النحتية الكويتية في بداياتها، وآمن بأن الفن ليس هواية عابرة، بل مشروع حياة. ومنذ سنواته الأولى في المرسم الحر، اختار النحت لغته الخاصة، وتعامل مع الخشب والحجر والخزف وغيرها من الخامات، محولا الكتلة الجامدة إلى مساحة للتعبير عن الإنسان والحلم والحرية.
ولم يكن إسماعيل أسيرا لمدرسة فنية واحدة، بل شق طريقه بين الواقع والتجريد، والرومانسية والرمزية، محاولا تحويل الواقع إلى حلم، لذلك جاءت أعماله محملة بالحالات الشعورية والأسئلة المفتوحة، أكثر من كونها مجرد أشكال وكتل صامتة، فكان يبحث في المادة عن روحها، وفي الشكل عن معناه الإنساني، لذلك بقيت اعماله شاهده على ابداعاته، ومن أبرزها منحوتة «الأمومة» ومنحوتة «الشهيد» التي اقتناها دكتور ألماني وموجودة حاليا في اكبر مستشفى للعيون بالمانيا.
وخـــلال مسيرتــه الطويلة، حصد عددا من الجوائز والتكريمات التي عكست مكانته في المشهد التشكيلي الكويتي، من بينها الجائزة الأولى والميدالية الذهبية في معرض الجمعية عام 1972، وجائزة الدولة التقديرية عام 2002، وجائزة الدولة في مجال الفنون التشكيلية والتطبيقية عام 2003، إلى جانب جائزة الفنان خليفة القطان في مجال النحت.
وفي عام 2011، احتفت به الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية من خلال معرض خاص وكتاب وثق تجربته، تكريما لمسيرة خمسين عاما من العطاء، ووصف حينها بـ «عميد النحاتين»، تقديرا لدوره في إثراء الحركة التشكيلية الكويتية وإرساء حضور النحت في المشهد الفني.
ولم يتوقف عطاؤه عند حدود النحت، إذ ظل فنانا باحثا ومجربا حتى سنواته الأخيرة، وانتقل إلى الرسم والتكوين، مؤكدا أن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن البحث، وفي معرضه «الفرشاة بعد الأزميل… أيهم أنا؟» عام 2025، جمع بين الأكريليك والمجسمات والمنحوتات، واستلهم في أعماله الأخيرة الطيور البحرية وما تحمله من دلالات الحرية والحركة والروح.
كان الراحل «أبو بشار» أكثر من نحات، كان جزءا من ذاكرة الفن الكويتي، ومن جيل أسهم في منح النحت مكانته داخل الحركة التشكيلية، شارك في الورش والفعاليات الفنية، ونقل خبرته إلى الأجيال الجديدة، مؤمنا بأن الفن ذاكرة تحفظ تاريخ الشعوب، وأن تجربة الفنان لا تنتهي بانتهاء سنوات عطائه، بل تستمر فيما يتركه من أثر.
رحل «أبوبشار»، لكن الأزميل الذي كان لغته بقي شاهدا في أعماله، وبقي اسمه حاضرا في ذاكرة الحركة التشكيلية الكويتية، شاهدا على فنان آمن بأن الحجر يمكن أن يتحول إلى حياة، وأن الفن قادر على أن يمنح صاحبه حضورا يتجاوز العمر والغياب.. رحم الله الفنان التشكيلي والنحات عبدالحميد إسماعيل حسين، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان.