مفرح الشمري
ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، جاءت ندوة «التجريب المسرحي بوصفه أقاليم جمالية» لتفتح مساحة واسعة للنقاش حول واحدة من القضايا الأساسية التي تشغل المسرح العربي المعاصر، والمتمثلة في العلاقة بين التجريب والحداثة من جهة، والخصوصية الثقافية والبيئية من جهة أخرى.
وقد حاولت الندوة مقاربة مفهوم التجريب المسرحي بوصفه مساحة مفتوحة للبحث عن أشكال وأساليب جديدة في التعبير، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانفصال عن البيئة التي ينتمي إليها المسرح أو التخلي عن الذاكرة الثقافية والاجتماعية التي تشكل جزءا من هويته، ومن هذا المنطلق، تحولت الندوة إلى حوار حول قدرة المسرح العربي على الانفتاح على الحداثة المسرحية، وفي الوقت ذاته الاحتفاظ بخصوصيته وقدرته على التعبير عن واقعه وأسئلته المحلية.
أدار الندوة د.سامي الجمعان من السعودية، بمشاركة د. رياض السكران من العراق، ود. محمود سعيد من مصر، ود.سليمان آرتي من الكويت، فيما تولى أ.د.سعيد كريمي من المغرب مهمة التعقيب على أوراق المشاركين. وجمعت الندوة بين أكثر من رؤية عربية في محاولة للاقتراب من مفهوم التجريب وتحولاته، والبحث في الأقاليم الجمالية التي يمكن أن يتحرك من خلالها المسرح العربي وهو يعيد النظر في أدواته وأشكاله وعلاقته بالمكان.
من بين الأوراق التي أثارت أسئلة مرتبطة بخصوصية التجربة المسرحية العربية، قدم د. سليمان آرتي ورقة حملت عنوان «إشكالية التجريب المسرحي العربي بين خصوصية الإقليم الثقافي وانفتاحه على الحداثة المسرحية».
وانطلقت الورقة من سؤال رئيسي يتعلق بكيفية قدرة المسرح العربي على تحقيق التجدد والحداثة دون الوقوع في فخ الاستنساخ أو التحول إلى مجرد صدى لتجارب مسرحية جاءت من بيئات أخرى. فالتجريب، وفق هذا الطرح، ينبغي ألا يفهم باعتباره انتقالا آليا إلى أشكال جاهزة، ولا بوصفه قطيعة مع المكان والذاكرة والخصوصية، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره أداة لإعادة اكتشاف البيئة المحلية، وإعادة تقديمها من خلال لغة مسرحية مختلفة.
ومن هنا برزت أهمية السؤال الذي طرحه آرتي حول العلاقة بين الحداثة والهوية، فالمسرح يستطيع أن ينفتح على التجارب والأشكال الحديثة، لكنه في الوقت نفسه قادر على إعادة صياغة هذا الانفتاح بما يتناسب مع خصوصية الإقليم الثقافي الذي ينتمي إليه، وبذلك لا تصبح الحداثة غاية منفصلة عن الواقع، بل وسيلة لإعادة النظر في هذا الواقع واكتشاف إمكاناته المسرحية.
وقد أكد آرتي من خلال ورقته أن التجريب لا يعني مغادرة المكان، بل يمكن أن يكون وسيلة للعودة إليه بصورة جديدة، فالقضايا والذاكرة والتفاصيل التي تنتمي إلى كل بيئة يمكن أن تتحول إلى مكونات أساسية في بناء العرض المسرحي، بدلا من التعامل معها بوصفها عوائق أمام التجديد.
ولإيضاح هذه الفكرة، استشهد آرتي بثلاث تجارب مسرحية عربية هي «قهوة سادة» للمخرج خالد جلال، و«صمت» للمخرج سليمان البسام، و«الهاربات» للمخرجة لوفاء الطبوبي، وقد شكلت هذه الأعمال نماذج مختلفة في كيفية التعامل مع البيئة والذاكرة والقضايا الخاصة بكل تجربة، وتحويلها إلى عناصر فاعلة داخل البناء المسرحي.
وتكشف هذه النماذج، في قراءة آرتي، أن التجريب يمكن أن ينطلق من الواقع نفسه، وأن الحداثة المسرحية لا تتعارض بالضرورة مع خصوصية المكان. فكل تجربة من التجارب الثلاث استطاعت أن تستفيد من عناصر مرتبطة ببيئتها، وأن تمنحها حضورا مسرحيا جديدا من خلال الشكل والرؤية والأدوات الجمالية.
استيراد الحداثة
من خلال النماذج الثلاثة التي استند إليها آرتي، تتضح الفكرة الأساسية التي حاولت الورقة تأكيدها، وهي أن التجريب المسرحي العربي لا يحتاج إلى استيراد الحداثة بوصفها نموذجا جاهزا، وإنما يستطيع أن يؤقلمها مع بيئته وذاكرته وأسئلته الخاصة، فالانفتاح على الحداثة لا يعني التخلي عن الخصوصية، كما أن الحفاظ على الخصوصية لا يعني الانغلاق أو رفض التجديد، وبين هذين الطرفين يمكن أن تتشكل تجربة مسرحية عربية تبحث عن لغتها الخاصة، وتستفيد من إمكانات التجريب من دون أن تتحول إلى نسخة من تجارب أخرى.
وفي هذا السياق، تبدو الحداثة المسرحية عملية قابلة للتكييف وإعادة الصياغة، بحيث تدخل في حوار مع البيئة والذاكرة والقضايا التي ينطلق منها العرض. ومن ثم، فإن التجريب يصبح عملية مستمرة لإعادة اكتشاف ما هو محلي من خلال أدوات وأساليب قادرة على منحه حضورا جديدا.
لغة جديدة
أبرزت الندوة، من خلال تعدد المشاركات والرؤى التي جمعتها، أهمية البحث عن لغة مسرحية جديدة قادرة على التعبير عن التحولات والأسئلة التي يعيشها المسرح العربي. ولم يكن النقاش حول التجريب منفصلا عن سؤال الهوية، بل بدا أن التجريب والخصوصية يمكن أن يلتقيا داخل التجربة المسرحية نفسها.
فالعمل المسرحي يستطيع أن ينطلق من ذاكرة المكان وتفاصيله وقضاياه، ثم يعيد تشكيلها من خلال أدوات جمالية مختلفة. وبذلك لا يصبح الانفتاح على العالم تهديدا للخصوصية، ولا تصبح الخصوصية عائقا أمام التجديد.
ومن خلال ورقة سليمان آرتي، ظهرت التجارب الثلاث التي استشهد بها بوصفها نماذج توضح إمكان الجمع بين الأمرين: الانتماء إلى البيئة والانفتاح على أشكال جديدة من التعبير، ففي «قهوة سادة» تتحول تفاصيل الواقع إلى مادة مسرحية، وفي «صمت» تتحول المأساة والذاكرة إلى أبعاد بصرية ورمزية تتجاوز المكان، بينما توظف «الهاربات» الفضاء والسينوغرافيا والأصوات وتقطيع السرد في التعبير عن حالة التشظي التي تعيشها الشخصيات.
قادت هذه التجارب إلى خلاصة واضحة طرحها د.سليمان آرتي، مفادها أن التجريب العربي ليس بحاجة إلى استيراد الحداثة جاهزة، وإنما يستطيع أن يعيد صياغتها وتكييفها بما يتلاءم مع بيئته وذاكرته وأسئلته.