مفرح الشمري
بعض الأغاني ما تسمعها بس، تعيشها.. وبعض الأصوات مهما مرت عليها السنين تظل قادرة ان تفتح في الذاكرة أبوابا ما سكرتها الأيام. ومن بين هالأصوات يظل صوت الفنان الراحل عوض الدوخي حاضرا بكل ما يحمله من شجن وأصالة، خصوصا حين يصدح بصوته العذب «يا من هواه أعزه وأذلني».
هالأغنية اللي ارتبطت بوجدان محبي الطرب الخليجي الأصيل، واللي تروى بدايتها مع إذاعة الكويت عام 1958، ما كانت مجرد عمل غنائي مر في تاريخ الأغنية الكويتية، بل كانت واحدة من المحطات اللي ارتبطت ببداية شهرة عوض الدوخي، وصارت مع الوقت جزءا من ذاكرة فنية خليجية مازالت تحتفظ بنكهتها الخاصة، وبذاك الإحساس اللي ما يحتاج إلى كثير من الكلام حتى يوصل للقلب.
واليوم، يعود هذا الصوت بكل ما يحمله من حنين، لكن هالمرة من خلال الدراما، مع المخرج أحمد يعقوب المقلة في الجزء الثاني من مسلسل «غناوي الشوق»، اللي يستحضر الأغنية ويجعل منها مساحة لمشاعر الحب والانتظار والوجع، من خلال قصة عشق تجمع مريم، اللي تجسد شخصيتها الفنانة هيفاء حسين، وسلمان، اللي يؤدي دوره الفنان جمعان الرويعي، ضمن أحداث كتبها راشد الجودر، وتتماشى مع أجواء الأغنية ومعانيها. «يا من هواه أعزه وأذلني».. عنوان يكاد يختصر حكاية عاشق يعيش بين عزة النفس وضعف القلب، بين رغبة في الاقتراب وخوف من الانكسار، وبين حب يمنح الإنسان أجمل مشاعره، وفي الوقت نفسه يضعه أمام أكثر لحظاته ضعفا. وهنا تحديدا تكمن جماليات استحضار الأغنية في العمل، فالمشاعر اللي حملتها الكلمات قديما مازالت قادرة على التعبير عن حكايات العشاق اليوم، وكأن الزمن ما غير شيئا في طبيعة الحب، ولا في الحيرة اللي يتركها داخل القلوب. والجميل في هذا اللقاء الدرامي مو بس استحضار أغنية خالدة بصوت عوض الدوخي، ولا إعادة إحياء أجواء الصوت الخليجي الأصيل، بل أيضا اجتماع هيفاء حسين وجمعان الرويعي أمام الشاشة من جديد، بعد 26 سنة من اجتماعهما الأول في مسلسل «نيران».
هناك، في «نيران»، كانت هيفاء حسين تجسد شخصية مريم، فيما جسد جمعان الرويعي شخصية سلمان، واليوم، بعد كل هالسنين والتجارب والمحطات الفنية، يجمعهما «غناوي الشوق» في حكايتي شيخة ومساعد، وكأن الدراما تمنحهما فرصة جديدة للقاء، لكن بملامح مختلفة، ونضج أكبر، وحكاية تحمل إحساسا آخر. ولعل أجمل ما في مثل هاللقاءات أنها تذكرنا بأن بعض العلاقات الفنية ما تنتهي بانتهاء العمل، بل تظل صورتها عالقة في ذاكرة المشاهد، وكلما اجتمع أصحابها مرة ثانية رجعت معها تفاصيل قديمة وذكريات بعيدة، واستعاد الجمهور شيئا من زمن مضى، لكنه مازال قريبا من القلب.
وهكذا تتلاقى الحكايات في «غناوي الشوق»، حكاية أغنية حملها عوض الدوخي إلى آفاق الشهرة، وحكاية عشق يعيدها أحمد يعقوب المقلة إلى الواجهة بروح درامية كتبها راشد الجودر، ولقاء فني متجدد بين هيفاء حسين وجمعان الرويعي بعد أكثر من ربع قرن.