ياسر العيلة
ليست النوستالجيا مجرد حنين عابر إلى الماضي، بل ملاذ وجداني نبحث فيه عن دفء الذكريات وبساطة الأيام التي صنعت ملامح طفولتنا، قبل أن تثقلنا مسؤوليات الحياة وتعقيداتها. وعندما يمتزج هذا الحنين بالموسيقى والمسرح الحي، تتحول الذكريات إلى تجربة إنسانية توقظ المشاعر وتستحضر الوجوه الغائبة.
هذا ما جسدته تجربة «الثمانينـــات.. الضربـــة القاضية»، التي احتضنها المسرح الوطني في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، بالتزامن مع احتفالات المركز بمرور عشر سنوات على افتتاحه، في عمل استعراضي مميز جاء ثمرة تعاون بين شركتي «سين للإنتاج الفني» و«الجابرية الحرة للإنتاج الفني»، ليأخذ الجمهور في رحلة إلى حقبة شكلت الأغاني وتترات المسلسلات والإعلانات فيها جزءا أصيلا من الوجدان الكويتي والخليجي.
لم يكن العرض مجرد استعادة لألحان قديمة، بل محاولة لإحياء زمن كامل بتفاصيله ومشاعره، في تجربة امتزجت فيها البهجة بالشجن، وأثبتت أن بعض الذكريات يكفيها لحن واحد لتعود بكل ما تحمله من حنين.
شكلت الموسيقى الحية العمود الفقري للعرض، من خلال فرقة موسيقية كبيرة قادها المايسترو د.خالد نوري، الذي قدم توزيعات أوركسترالية مزجت الآلات الشرقية بفخامة التوزيع الغربي، وأعادت للألحان وتترات المسلسلات والإعلانات الكلاسيكية بريقها بروح متجددة، من دون أن تفقد أصالتها.
وتكامل هذا البناء الموسيقي مع أداء المطربين الذين تعاملوا مع الأغنيات بروح المرحلة وتنوع ألوانها ومقاماتها، فتنقلوا بين الألحان بخبرة وإحساس، واستعادوا أجواء أعمال رافقت أجيالا كاملة، وأسهمت في تشكيل ذائقتها الفنية.
وكان المشهد الأكثر تأثيرا أن الحنين لم يبق حبيس الابتسامات والتصفيق، بل تحول في لحظات كثيرة إلى دموع صادقة انهمرت من أعين الحاضرين. دموع استدعت أحبة رحلوا، وأعادت إلى الذاكرة وجوها ارتبطت بأيام جميلة، وأخرى كشفت عن شوق عميق إلى طفولة بريئة وزمن بدت تفاصيله اليوم أبعد مما نتمنى. وهنا تحديدا تكمن قيمة العرض، فهو لم يكتف بتذكير الجمهور بما كان يسمعه ويشاهده، بل أعاده إلى ما كان يشعر به، وكأن الألحان القديمة احتفظت داخلها بكل ما عجزت السنوات عن محوه.
بقيادة المخرج جاسم القامس، جاء العرض برؤية إخراجية وظفت الإضاءة والشاشات والتقنيات المسرحية الحديثة لخدمة روح الماضي، واستعادة أجواء البرامج التلفزيونية والإعلانات القديمة في لوحات استعراضية حيوية. واللافت أن هذه الأدوات لم تكن مجرد وسيلة للإبهار البصري، بل جاءت جزءا من نسيج التجربة، لتمنح الذكريات حياة جديدة وتحقق توازنا بين أصالة المرحلة وروح العرض المعاصر. وكان الجمهور أحد أبرز أبطال العرض، إذ تجاوز التفاعل حدود التصفيق والهتاف، وتحول الحاضرون من مختلف الأجيال إلى كورال جماعي يردد الأغنيات ويستعيد كلمات ارتبطت بمحطات مهمة من حياتهم.
وقد عكس هذا المشهد أن الفن الذي يلامس الوجدان لا تحده السنوات، وأن الأعمال المرتبطة بذاكرة الناس تظل قادرة على استعادة بريقها مهما تغير الزمن. كما شكل العرض فرصة أخيرة لمن فاتهم حضوره سابقا، فيما منح من شاهدوه من قبل تجربة أكثر عمقا، في ظل تفاعل جماهيري أكد أن المسرح يمكن أن يتحول من مساحة للمشاهدة إلى مساحة مشتركة للغناء والحنين والتواصل الإنساني.
وتستحق شركتا «سين» و«الجابرية الحرة» التحية على تقديم هذه التجربة، كما يستحق المخرج جاسم القامس والمايسترو خالد نوري، إلى جانب العازفين والمطربين والاستعراضيين، الإشادة بجهودهم في صناعة عرض جمع بين الإتقان الموسيقي والإبهار البصري والتأثير الوجداني. وتكتسب التجربة أهمية إضافية لتزامنها مع اليوبيل العشري لمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، الذي يواصل دوره في احتضان الإبداع وتقديم تجارب فنية تربط أصالة الماضي بآفاق الحاضر.
لقد أثبت «الثمانينات.. الضربة القاضية» أن استعادة الماضي لا تعني الوقوف عنده، بل إعادة اكتشافه وتقديمه بروح جديدة. ولم تكن الضربة القاضية في الموسيقى أو الإبهار وحدهما، بل في تلك اللحظة التي وجد فيها كل مشاهد نفسه أمام ذكرى شخصية أو وجه غائب أو إحساس قديم ظن أنه نسيه. عندها انتصر العرض للإنسان وذاكرته، وأثبت أن بعض الأزمنة لا تنتهي، ما دامت ألحانها قادرة على إعادة الحياة إليها في قلوبنا.