يعد التحكيم من الوسائل المهمة لتسوية المنازعات خارج نطاق القضاء التقليدي، إذ يقوم في أساسه على مبدأ قابلية النزاع للتحكيم، بحيث يكون التحكيم جائزا في كل ما يجوز فيه الصلح، ما لم يتعارض ذلك مع النظام العام.
غير أن هذا المبدأ، رغم وضوحه النظري، يثير العديد من الإشكالات العملية والتشريعية، خصوصا في ظل اتساع نطاقه في بعض القوانين العربية ومنها القانون الكويتي.
فربط التحكيم بمبدأ الصلح قد يبدو منطقيا من حيث إعطاء الأطراف حرية تسوية نزاعاتهم، إلا أن هذا الربط قد يفتح المجال لتفسيرات واسعة قد تؤدي أحيانا إلى التوسع المفرط في اللجوء إلى التحكيم حتى في مسائل قد يكون من الأفضل أن تبقى ضمن اختصاص القضاء. كما أن المادة (173) من قانون المرافعات الكويتي أجازت شرط ومشارطة التحكيم دون أن تميز بين المنازعات المدنية والتجارية، الأمر الذي أدى إلى اتساع نطاق شرط التحكيم بشكل كبير.
ورغم أن هذا التوسع قد يهدف إلى تشجيع اللجوء إلى التحكيم كوسيلة سريعة ومرنة لحل النزاعات، إلا أنه قد يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة إخضاع جميع المنازعات لهذا الأسلوب. فغياب التمييز بين طبيعة النزاعات قد يؤدي إلى تطبيق التحكيم في مسائل تحتاج إلى ضمانات قضائية أوسع، خاصة عندما يكون أحد الأطراف في موقع أضعف من الآخر.
ومن جهة أخرى، نصت المادة ذاتها في فقرتها الأخيرة على أن التحكيم لا يشمل المسائل المستعجلة ما لم يتفق الأطراف صراحة على خلاف ذلك. ورغم أن هذا الحكم يهدف إلى حماية الحقوق التي تحتاج إلى تدخل سريع من القضاء، إلا أن ترك الأمر لاتفاق الأطراف قد يثير إشكاليات عملية.
فالمسائل المستعجلة بطبيعتها تتطلب سرعة في اتخاذ القرار، وقد لا يكون التحكيم دائما الوسيلة الأنسب لمعالجتها، خصوصا إذا كان تشكيل هيئة التحكيم أو إجراءاتها يستغرق وقتا أطول من اللجوء إلى القضاء المستعجل. أما على مستوى التشريعات العربية عموما، فقد تناولت قوانين المرافعات في عدد من الدول أحكام التحكيم بنصوص قانونية واضحة، مثل القانون المصري والسوري واللبناني.
غير أن هذه القوانين ركزت في الغالب على التحكيم التجاري الداخلي، ولم تمنح التحكيم الدولي الاهتمام الكافي في نصوصها. ويعد هذا القصور التشريعي محل انتقاد، خاصة في ظل تزايد العلاقات التجارية الدولية وتنامي الحاجة إلى آليات قانونية واضحة لتنظيم التحكيم الدولي.
كما أن الإشارة إلى التحكيم الأجنبي جاءت في معظم هذه القوانين بصورة عابرة، غالبا من خلال قواعد تنفيذ الأحكام الأجنبية، دون وضع إطار قانوني متكامل ينظم هذا النوع من التحكيم. وبناء على ذلك، يمكن القول إن التشريعات العربية المتعلقة بالتحكيم مازالت بحاجة إلى تطوير وتحديث يواكب التطورات الاقتصادية والقانونية العالمية، بحيث يتم تحقيق توازن حقيقي بين تشجيع التحكيم كوسيلة فعالة لحل النزاعات، وبين ضمان عدم التوسع فيه على حساب الضمانات القضائية وحماية النظام العام.
قيروان خليفة العنزي
كلية الدراسات التجارية/ تخصص قانون