اعتبر معهد ستراتفور للدراسات الاستخباراتية أن مصالح مختلفة تقف وراء التدخل الغربي في ليبيا وفي إطار سيناريوهات مختلفة يوحدها بشكل عام تنفيذ قرار الأمم المتحدة الأخير الخاص بفرض حظر جوي. وترى الورقة التحليلية التي صدرت أمس الأول أن المملكة المتحدة وفرنسا كانتا السباقتين إلى إطلاق الدعوات للتدخل العسكري في ليبيا قبل أن تنجحا في إقناع عدد من الدول الأوروبية بدعم القرار سياسيا على الأقل بعد أن تلقت الضوء الأخضر من جامعة الدول العربية. وفي هذا السياق، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما واضحا في خطابه الذي ألقاه يوم 21 مارس الجاري عندما أكد رغبة بلاده في نقل قيادة العمليات العسكرية الخاصة بـ «فجر أوديسا» إلى الحلفاء الأوروبيين بهدف تعطيل قدرات الكتائب الأمنية الموالية للزعيم معمر القذافي وتحديدا السلاح الجوي والأنظمة المضادة للطائرات ومقار القيادة والاتصالات لمساعدة الأوروبيين وشركائهم العرب على تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973. ويلفت المعهد إلى أن الرئيس الأميركي كان أكثر من واضح ـ في إشارة إلى الداخل الأميركي ـ بالقول إن العمليات العسكرية في ليبيا هي «حرب أوروبا» وليست الولايات المتحدة. وفي قراءة للأهداف الأوروبية من العملية العسكرية، يقول المعهد إن التدخل الغربي من حيث الشكل يقتصر على تطبيق منطقة الحظر الجوي وضربات جوية على القوات البرية الموالية للقذافي، أما في المضمون فإن الهدف يتعدى ذلك إلى وضع حد لنظام القذافي لاسيما أن قادة فرنسيين وبريطانيين لم يترددوا في التصريح بهذه الغاية في أكثر من مناسبة.
بيد أن المشكلة ـ وبحسب الورقة التحليلية لمعهد ستراتفور ـ تكمن في وجود تفسيرات مختلفة للرغبة الأوروبية في مواصلة التدخل العسكري في ليبيا من قبل العالم العربي، أولها عدم الثقة في أن الغرب يريد فعلا تعزيز الديموقراطية على خلفية دعمه لهذه الأنظمة منذ عقود طويلة.
وما عزز هذا الشعور بعدم الثقة أن فرنسا ـ التي قادت التحركات الديبلوماسية للتدخل العسكري ضد القذافي ـ سجلت ارتباكا محرجا مع انطلاق الثورة التونسية حيث قامت وزيرة خارجيتها السابقة مشيل أليو ماري بقضاء إجازتها في تونس ـ قبل انطلاق الاحتجاجات ـ واستعملت طائرة خاصة يملكها رجل أعمال مقرب من الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، علاوة على أن الجمهورية الفرنسية تأخرت كثيرا في التعبير عن إدانتها للنظام التونسي وطريقة تعامله مع احتجاجات الثورة.
ولا يختلف اثنان ـ يقول التقرير ـ على أن المصالح الأوروبية مع معمر القذافي على صعيد الطاقة ومبيعات السلاح كانت ـ بلغة الأرقام ـ دليلا قاطعا للعلاقة الجدية بين الطرفين حيث باعت الدول الأوروبية وخلال الفترة ما بين 2004 و2011 لنظام القذافي أسلحة بقيمة مليار و56 مليون دولار.
ويذهب التقرير ليؤكد أن إيطاليا وفرنسا كانتا أكثر الدول الأوروبية استفادة من العلاقات التجارية مع ليبيا، آخرها الصفقة التي تم الاتفاق عليها العام الماضي بين باريس وطرابلس لبيع الأخيرة 14 طائرة مقاتلة من طراز ميراج. أما روما فقد كانت تتفاوض مع طرابلس بصفقات عسكرية تصل قيمتها الى مليار دولار عندما انطلقت احتجاجات 17 فبراير الماضي، في حين لم تسلم بريطانيا نفسها من الانتقادات التي اتهمتها بالموافقة على إطلاق سراح المتهم الليبي بتفجير طائرة لوكيربي عبدالباسط المقرحي مقابل حصول شركة النفط البريطانية (بي پي) على تسهيلات خاصة في القطاع النفطي الليبي.