اعد الباحث في التاريخ احمد بن محارب الظفيري بحثا عن «وارة» تناول فيه تاريخها وما مـرت به من احداث وجاء فيه:
«أُوارة» أو «وارة»: هي «قارة» شاخصة شامخة على أرض الكويت. والقارة: هي الجُبيل أو الأكمة، المنفردة وحدها، والجمع قُور وقارات. واسم «قارة» مستعمل عند العرب الحاليين والأقدمين بمعنى الجبيل المستدق الملموم الشاخص بالسماء وحده والاسم عربي فصيح.
متى جاءت «وارة» إلى الكويت؟
جاءت وارة الى الكويت بزمن «الفِطَحْل» وهو الزمن الذي تصفه أساطير العرب بزمن الأمطار والسيول العملاقة المتدفقة، وهو زمن يقول العرب عنه في حكاياتهم ومروياتهم: انه زمن كانت فيه الحجارة رطابا والسيول عارمة، وجزيرة العرب في ربيع دائم والأرض خضراء مكتظة بالنباتات والأشجار المثمرة، والبشر يعيشون في بحبوحة من الخير ورغد العيش ويعبدون الرب الواحد الأحد.
وعلماء الغرب الأوروبيون يسمون هذا الزمن «عصر الفِطَحْل» بالدورة الجليدية الرابعة «دورة جليد فرم: wurm cycle» وهذه الدورة الممطرة المسماة دورة جليد فرم يقول عنها علماء الجيولوجيا والآثار والتاريخ القديم: انها ابتدأت في سنة 40 ألف قبل الميلاد وانتهت في سنة 18 ألف قبل الميلاد، وخلال هذه الدورة كانت أوروبا مغطاة بجبال هائلة من الثلوج بينما جزيرة العرب بقعة خضراء زاهية، وهذا يذكرنا بالحديث النبوي الشريف:
«لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا».
وخلال هذه الدورة جاءت الى الكويت «صخرة وارة» منحدرة من جبال الحجاز تدفعها السيول العملاقة المتدفقة عبر وديان جزيرة العرب فرسبتها في الدلتا الواسعة المتصلة ببحر الخليج العربي، ولما جاءت دورة الجفاف والحرارة التي نعيش في أجوائها الآن، تبخرت مياه الأنهار وتحولت الى وديان جافة، وظهرت لنا صخرة «وارة» شاخصة منتصبة في وسط هذه الأرض المتطامنة التي كانت في يوم من الأيام دلتا عامرة بالمياه تصب في بحر الخليج، ويؤكد علماء الغرب المتخصصون أن كل هذه الجبال والأكمات المترامية في وديان الجزيرة العربية ومنها قارة وارة جميعها آتية من جبال الحجازة لأنها شبيهة لها في تركيبها الكيميائي والفيزيائي ولا علاقة لها بجبال زاجروس أو جبال كردستان.
وارة في معاجم البلدان والمصادر العربية
يقول ياقوت الحموي (ت 626 هـ/ 1228م) في «معجم البلدان» عن أوارة: «اوارة ـ بالضم ـ: اسم ماء او جبل لبني تميم، قيل بناحية البحرين، وهو الموضع الذي حرق فيه عمرو بن هند بني تميم».
ويقول الظفيري «كاتب هذه السطور»: أوارة، وبعض العرب يتثاقل الهمزة وينطقها وارة، هي جبل معروف وحوله مجموعة قلبان «آبار» تسمى «قلبان وارة» تقطن حولها العربان.
ويقول شيخنا علامة الجزيرة حمد الجاسر في «المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية عن أوارة»: «أوارة: اسم جبل يقع الآن على بعد تسعة اميال شرق برقان في الكويت وبه مئة بئر».
وعن «برقان» يقول ياقوت الحموي في «معجم البلدان»: «برقان: موضع بالبحرين قتل فيه مسعود بن ابي زينب الخارجي، وكان غلب على البحرين، وناحية اليمامة بضع عشرة سنة، حتى قتله سفيان بن عمرو العقيلي، سار اليه ببني حنيفة، فقال الفرزدق:
ولولا سيوف من حنيفة جردت
بـ «برقان» أمسى كاهل الدين ازورا
تركن لمسعود وزينب اخته
رداء وجلبابا من الموت احمرا
ويقول الظفيري: برقان مازال محتفظا باسمه حتى هذا اليوم، وبرقان اسم لمجموعة تلال صغيرة قريبة من وارة، وبرقان جمع «أبرق» والابرق هو التل المتكون من حجارة بيضاء وسوداء وتراب اعفر فبرقها اختلاف ألوانها. اما «مسعود بن ابي زينب الخارجي» هو من قبيلة عبدالقيس ترأس هو واخته زينب فرقة الزينبية من الخوارج وسيطر على المنطقة الشرقية ومنطقة اليمامة مدة 12 سنة حتى قضى عليه سفيان بن عمرو العقيلي ومعه بني حنيفة اهل اليمامة فقتله هو واخته زينب ودارت المعركة على ارض برقان، وفي ارض برقان تفجر النفط من حقل برقان الشهير في عصرنا الحالي.
ويقول محمد بن مكرم بن منظور (ت 711 هـ) في «لسان العرب»: اوارة: اسم موضع وماء، قال الشاعر:
عداوية هيهات منك محلها
اذا هي احتلت بقدس «أوارة»
ويقول الظفيري: عداوية: هي فتاة عربية منسوبة الى قبيلة عدي والاوار ـ بالضم ـ: هو لهب النار وشدة حر الشمس والعطش والارض المتطامنة المحيطة بوارة والمسماة «ارض وارة» منذ عصر الجاهلية والى الامس القريب كان الناس يشاهدون النفط يرشح من ارضها فيستخدمه البدو في علاج جرب الابل، وقد يحترق بفعل حرارة الشمس فينشر اواره فسميت القارة باسم هذا الاوار الملتهب واسم «اوارة» قديم جدا منذ العصر الجاهلي.
أيام «أُوَارة» من أيام العرب المشهودة
أيام العرب: هـــي أيام المعارك والوقعات والمناخات والأكاوين (جمع كون وهو المعركة) التي كثيرا ما تحصل بين القبائل العربية في عصور الجاهلية، وقد تتمرد بعض القبائل على ملوكها أمثال الغساسنة والمناذرة فيحاول الملك اخضاع القبيلة المتمردة بالقوة. ويؤرخ العرب تواريخهم المهمة ومواليدهم بهذه الأيام. وأيام العرب مذكورة في المراجع وكتب الأدب والأشعار.
يوم أُوَارة الأول:
تمردت قبيلة «بكر بن وائل» على الملك المنذر بن ماء السماء، فأرسل اليهم يدعوهم الى طاعته، فأبوا عليه ذلك، فحلف «المنذر» ليسيرنَّ إليهم فإن ظفر بهم ليذبحنَّهم على قُلَّة جبل أُوارة، حتى يبلغ الدَّم الحضيض، وسار اليهم في جموعه، فالتقوا بأبوارة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزمت «بكر بن وائل» وأسر «المنذر» من «بكر» أسرى كثيرة، فأمر بهم فذبحوا على جبل أوارة، فجعل الدم يجمد فقيل له: أبيت اللعن لو ذبحت كل بكري على وجه الأرض لم تبلغ دماؤهم الحضيض، ولكن لو صببت عليه الماء! ففعل، فسال الدم الى الحضيض.
من هو الملك المنذِر بن ماء السَّماء؟
الملك «المنذر بن ماء السماء» ملك الحيرة، كانت أكثر القبائل تدين له بالولاء، و«ماء السماء» لقب اشتهرت به أمه لحسنها الفائق ولفرط جمالها الباهر، أما اسمه الحقيقي فهو «المنذر بن امرئ القيس»، واسم أمه الحقيقي فهو «مارية بنت عوف النمري» وهي من بيت شرف كبير في قبيلة النمر بن قاسط الوائلية. وهذا الملك العربي المنذر بن ماء السماء هو صاحب يومي البؤس والنعيم المشهورين بأخبار العرب، وكان معاصرا للملك الفارسي كسرى أنوشروان والقيصر الروماني جستنيان. ومات الملك «المنذر بن ماء السماء» عام 533م مقتولا. ومن الألقاب التي لحقت بهذا الملك: «ذو القرنين» لوجود قرنين «ضفيرتين» في رأسه للزينة والتباهي. ويلقب كذلك بـ «الصَّعْب» نسبة الى الجمل الاصيل الصعب الذي لم يعسف ويدجن وإنما يستخدم لضراب الإبل (التزاوج).
يوم أُوارَة الثاني:
أعلنت قبيلة «بني تميم» العصيان على ملك الحيرة «عمرو بن هند» وأخذت تغير على قطعان إبله وتنهب لطائمه «قوافله التجارية» المتجهة الى الحجاز والبحرين واليمن، فسيّر عليهم حملة عسكرية كبيرة يقودها بنفسه، ودارت على ارض وارة معركة شديدة انكسرت فيها قبيلة بني تميم، وأسرَ الملك «عمرو بن هند» منهم أسرى كثيرين، فأمر بهم فحرقوا وذبحوا على جبل أوارة، وبعد هذه المعركة أعلنت قبيلة بني تميم الطاعة للملك «عمرو بن هند».
من هو الملك عمرو بن هند؟
الملـــك عمرو بن هند سُمي بابن هند نسبة إلى أمه «هند بنت الحارث بن عمرو الكندي» وهي من بيت شرف كبير في قبيلة كندة، أما اسم الملك الحقيقي فهو: «عمرو بن المنذر بن امرئ القيس» ويلقب بـ «المحرق الثاني»، اتصف بالجبروت والشدة، قتله الفارس الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي الوائلي في سنة 578م، وبعد قتله للملك نظم قصيدته المعلقة الشهيرة التي بلغت 117 بيتا ومطلعها:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها
إذا ما الماء خالطها سخينا
والقصة والقصيدة مدونة في المصادر والمراجع العربية وهي أشهر من نار على علم، وكانت هذه القصيدة عزا متوارثا وفخارا دائما لقبيلة «تغلب بن وائل» ولكل القبائل الوائلية على مر العصور.
يقول الظفيري: ان «الحيرة» عاصمة المناذرة، جاء اسمها من «حيرة الماء»، فالماء الجاري بالمسيل أو الوادي عندما لا يجد له مخرجا يحتار ويتوقف ويصير مستنقعا راكدا، وقيل ان اسمها «حيراتو» وهو اسم آرامي قديم.
والآراميون من الأعراق العربية القديمة المهاجرة من جزيرة العرب في الألف الثالث قبل الميلاد، و«حيراتو» في لغتهم تعني «الحيرة» نقول: حار الماء ومنه حار العقل.
وارة تشتكي لمحافظ الأحمدي
وارة تشتكي لمحافظ الأحمدي من عوادي الزمن التي تعرضت لها من نحت وتعرية وتكسير، وفي الأربعينيات من القرن الماضي عندما بدأت المعدات الثقيلة والآليات في حفر آبار النفط ومد الأنابيب ورصف الشوارع تعرض جسمها للتكسير واستخدمت أحجارها في أعمال الرصف والبناء، وزاد الطين بلة عندما بدأ بناء مدينة الأحمدي في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي فتعرضت للجرف والتهديم فتناقص جسمها وتضعضع، وهي اليوم ترجو من سعادة المحافظ ان يحافظ على ما بقي من جسمها لأنها معلم من معالم الآثار التاريخية على ارض الكويت.
لقد قطنت على أرضها عبر عصور التاريخ المتلاحقة منذ العصر الجاهلي قبائل عديدة موجة تتلو موجة ترتاح على أرضها ردحا من الزمن ثم تنداح الى الشواطئ والبلدان المجاورة والبعيدة مع جيوش العرب المسلمين أيام الفتوحات الاسلامية فتعربت الأمصار وانتشر الاسلام الحنيف، ودخلت وارة في أشعار العرب وآدابهم وتراثهم من أوسع أبوابه فيجب علينا المحافظة على هذه الصخرة الشماء التي تذكرنا بعصور العرب الموغلة بالقدم.
بقلم: أحمد بن محارب الظفيري
باحث في التاريخ والتراث
[email protected]