Note: English translation is not 100% accurate
سلسلة "الأنباء" عن ثورات الربيع (11)
«الديكتاتورية» و«نيّة التوريث» أطاحتا بتشاوشيسكو ديكتاتور رومانيا في ثورة 1989
18 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء







كان يعتبر نفسه «دانوب الفكر وباني الدولة الفاضلة» ويطمح إلى تقديس أبناء شعبه لشخصه
أحد أشرس ديكتاتوريي أوروبا
بقلم: محمد الحسينيفي نهاية الثمانينيات بالتزامن مع اقتراب الحرب الباردة من نهايتها ورياح التغيير التي هبت على دول حلف وارسو، بدا واضحا ان الديكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو أصبح يعيش خارج الزمن، وان سقوط أحد أعتى صروح الشيوعية في أوروبا الشرقية لم يعد ببعيد.
لقد كان تشاوشيسكو مصابا بجنون العظمة بكل معنى الكلمة، وكان يصف نفسه بـ «دانوب الفكر» نسبة الى نهر الدانوب الشهير الذي يمر في بلاده ويشكل أحد شرايينها المهمة، رغم ان شعبه كان الأفقر في أوروبا الشرقية إلا أنه كان يرى انه نبي «رومانيا الفاضلة»، وان الرومانيين من أسعد شعوب العالم وكان يفتخر بامتلاك 5 قصور أحدها يضم ألف حجرة وهو ما لا يملكه أحد حتى اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا العظمى هذا الى جانب قصوره الطائرة (الطائرات الرئاسية) والمتنقلة (القطارات الخاصة به).
لكن رغم أهمية كل ذلك لا يذكر تشاوشيسكو اليوم إلا لكونه أحد القادة الذين أعدمهم شعبهم مع زوجته ايلينا على الملأ في أعقاب أسبوع من التمرد والعصيان الشعبيين في نهاية ديسمبر 1989.
ورغم تأثره بـ ستالين لم تكن رومانيا في نهاية الحرب الباردة موالية لنظام موسكو بل كان تشاوشيسكو يميل الى نهج الزعيم اليوغوسلافي تيتو في عدم الانحياز في السياسة الخارجية ويعشق نموذج «كيم إيل سونغ» (والد الزعيم الحالي كيم يونغ إيل) في كوريا الشمالية ويطمح لتقديس أبناء شعبه له!
لم يكترث تشاوشيسكو بالتغيرات المحيطة ببلاده وتبني زعيم الاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشيف الى الـ «بيروسترويكا» (إعادة البناء الاقتصادي) والـ «غلاسنوست» (الانفتاح) بل كان يعمل على اعداد ابنه «نيكو» ليخلفه رغم المشاكل الأخلاقية وإدمانه على الشرب والقمار وصيته الذائع في أوساط الشعب.
اندلعت شرارة الأحداث في 16 ديسمبر من مدينة تيميسوارا عندما قررت الحكومة طرد المطران المجري باستور بسبب توجيهه انتقادات الى النظام في وسائل إعلام عالمية.
ردا على الحادثة خرج السكان الغاضبون في تظاهرات عنيفة لم تفلح الشرطة في التعامل معها رغم توقيف عدد كبير من المتظاهرين. واستمرت التحركات الشعبية يومي 17 و18 ديسمبر مترافقة مع دعوات الى اضرابات شلت البلد وتطورت الى احتلال الموظفين للدوائر والمقار الحكومية مع رفع شعار مثل «نظام تشاوشيسكو سيسقط» و«نحن الشعب». تشاوشيسكو كان في تلك الأثناء في زيارة رسمية الى ايران فطلب من زوجته معالجة الأمور، فأرسلت مندوبين لمفاوضة المتظاهرين وأبلغوهم بالموافقة على اطلاق السجناء ولكنهم رفضوا المطالبات باستقالة تشاوشيسكو.
وفي ظل هذه الأجواء انتقلت عدوى الاحتجاج الى بوخارست التي عاد اليها تشاوشيسكو حيث طلب مخاطبة الشعب، وخلال خطابه أمام 110 آلاف ارتأى ان يمتدح انجازات نظامه منذ توليه الأمانة العامة للحزب الشيوعي عام 1965 ثم الرئاسة عام 1974 وحتى 1989 وباستثناء وعده بزيادة الرواتب بـ 4 دولارات (نحو 5% من معدل الرواتب حينها) تركز كلامه على تخوين وإهانة المحتجين في مدينة تيميسوارا.
كان الخطاب منقولا مباشرة على الهواء لكن البث انقطع واستبدل بكليبات تشيد بتشاوشيسكو وانجازاته ففهم سكان رومانيا الذين كان نحو 57% منهم يتابعون الخطاب ان شيئا ما غير طبيعي كان يحصل.
وبالفعل ردد الحضور باستثناء الجالسين بالصفوف الأمامية هتافات منددة بالرئيس دفعته الى قطع خطابه والدخول الى القصر.
حاول اكمال خطابه من شرفة القصر لكن الصفير والتنديد وشعارات مثل (ستسقط يا ديكتاتور.. والعقاب للقاتل) أجبرته على وقف المحاولات.
أمر تشاوشيسكو رجال الشرطة بقمع المتظاهرين ما أدى الى سقوط 162 قتيلا.
في 22 ديسمبر عاد المتظاهرون لمحاصرة القصر الرئاسي مرددين هتافات أرعبت تشاوشيسكو فسارع الى المغادرة مع زوجته عبر احد الممرات السرية ليستقل مروحيته ويتوجه الى خارج العاصمة بوخارست، ولكن في طريقه الى مخبئه الخاص اكتشفه بعض الفلاحين الذين ألقوا القبض عليه وسلموه الى الثوار الذين كبلوا يديه ويدي زوجته وقاموا بإعدامهما رميا بالرصاص في مشهد نقل مباشرة على الهواء ليتابعه أبناء الشعب ليراه الرومانيون ويقتنعوا بأنه قد قضي على الديكتاتور فعلا.
وتابع الجمهور حول العالم اقتحام المتظاهرين للقصر وأعمال السرقة والتخريب التي حلت به.
رومانيا اليوم عضو في الاتحاد الأوروبي منذ 2007 وهي تاسع دول الاتحاد مساحة والسابعة بعدد السكان (21.5 مليون نسمة) وفي تأكيد على طي صفحة الماضي الشيوعي الشرقي انضمت إلى حلف الناتو في 2004.
ثورات الربيع
من صراع القوميات الذي تصاعد إلى حربين عالميتين، إلى صراع الأيديولوجيا الذي أدخل العالم في حرب باردة بين «الجبارين»، وصولا الى ما يسمى بعصر القطب الواحد والعولمة، شهد العالم ثورات وانتفاضات شعبية لن تُنسى لاسيما تلك التي اتسمت بالطابع السلمي.
بعد انتصارها في الحرب الباردة واجهت الولايات المتحدة عمليات استهداف معادية من جماعات إسلامية سبق ان دعمتها أميركا في حربها الضروس ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان. وصلت حركة طالبان إلى السلطة في افغانستان عام 1994، ووفرت ملاذا آمنا لتنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن بين عامي 1988 و1989 أعلن حربه رسميا على الولايات المتحدة، وأولى عملياته البارزة كانت محاولة تفجير برج التجارة العالمي في 1993، ثم استهدف السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، قبل أن ينفذ هجمات 11 سبتمبر التي كرست عمليا نظرية كان قد أطلقها استاذ العلوم السياسية صامويل هنتنجتون عام 1993 عن «صراع الحضارات» اعتبر فيها أنه بعد الحرب الباردة ستكون المواجهة الأعنف على أساس الحضارة، مستعرضا عددا من المواجهات المحتملة للحضارة الغربية مع الاسلام والحضارتين الصينية والاندوكية (الهندية).
مسار الأحداث والصراع بين «القاعدة» والغرب أعطى النظرية زخما منقطع النظير ودارت نقاشات مطولة، غالبا ما كانت تنتهي إلى أن المجتمعات الإسلامية ممانعة بحضارتها وموروثاتها للديموقراطية، مستشهدين بالثورة الإيرانية التي لم تفض إلى ديموقراطية بمفهومها الغربي رغم سلميتها، واستبعد كثير من الخبراء وبينهم هنتنجتون أن يشهد العالم العربي ثورات شبيهة بتلك الثورات التي حررت دول أوروبا الشرقية قبل وبعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.
رحل هنتنجتون عام 2008 قبل 3 سنوات من أحداث اجتاحت فجأة العالم العربي فيها الكثير من سمات الحركات التحررية والديموقراطية السلمية التي سبق ان شهدها الغرب بدءا من أحداث 1968 في فرنسا إلى ربيع براغ ثم سقوط الجدار، كما لم يشهد قبل وفاته أحداث النرويج في 22 يوليو 2011 والتي تؤكد أن اليمين المسيحي ليس بأقل تطرفاً من اليمين الإسلامي.
ارجاء كثيرة من العالم العربي المسلم بغالبيته شهدت خروج ملايين الشباب إلى الشوارع بحماس منقطع النظير، بدأ في تونس وامتد الى دول أخرى تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» مستفيدين من ثورة التكنولوجيا القادمة من الغرب والإعلام الجديد الذي قدمته شبكة الإنترنت.
قوبلت الثورات بترحيب غربي وبذلت الدول الغربية وسفاراتها جهودا كبيرة على غرار تلك التي بذلتها في نهاية الثمانينيات في أوروبا الشرقية.
وحاولت مساعدة الثوار في أكثر من حالة كان أوضحها ليبيا على تشكيل سلطة مؤقتة بديلة تتولى المرحلة الانتقالية خلال وبعد سقوط النظام.
بمناسبة ما أطلق عليه «الربيع العربي» نستعيد بالذاكرة بعض الثورات المشابهة في اوروبا والعالم خلال العقود الماضية منها الثورة المخملية في تشيكوسلوڤاكيا والثورة الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا وثورة التوليب في قيرغيزيا وثورة البلدوزر في صربيا وثورة الغناء في دول البلطيق، إضافة إلى بعض تجارب القرن الماضي في مجال النضال السلمي للحركات التحررية وصولا إلى الثورات العربية.
واقرأ ايضاً:
الحلقة الأولى: ثورة تشيكوسلوفاكيا المخملية غيّرت وجه أوروبا
الحلقة الثانية: بالغناء خاضت دول البلطيق ثورتها وتحررت من الاتحاد السوفييتي
الحلقة الثالثة: «ثورة البلدوزر» أطاحت بميلوسيفيتش أكبر ديكتاتوريي العصر الحديث
الحلقة الرابعة: بالورود وشعار «كفاية» أطاحت الثورة الوردية بنظام شيفرنادزه في جورجيا
الحلقة الخامسة: ثورة أوكرانيا البرتقالية.. أنشودة ديموقراطية عابرة؟
الحلقة السادسة: سقوط جدار برلين.. ثورة الثورات
الحلقة السابعة: «الثورة الصفراء».. «قوة الشعب الأولى» أنهت 20 عاماً من ديكتاتورية ماركوس في الفلبين بشعار «ارحل».. واللون الأصفر
الحلقة الثامنة: «ثورة الطناجر» في الأرجنتين أتت بـ 5 رؤساء في أسبوعين
الحلقة التاسعة: أحداث 1968 في فرنسا..«منع الممنوع»
الحلقة العاشرة: «ثورة التوليب».. الثوار أطاحوا بالرئيس ثم اختلفوا