Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
كيف قسمت حرب البوسنة مدينة وفرقت شمل أسرة؟
9 ابريل 2012
المصدر : سراييفو ـ رويترز
داريا سيتو سوسيتش
لم أكن اعتقد قط ان حربا ستنشب في سراييفو حتى رأيتها تتأجج من نافذتي أمام عيني.
بالنسبة لي بدأت الحرب في الخامس من ابريل 1992 حين استيقظت على دوي طلقات الرصاص.
رأيت ملثمين في الشوارع يشهرون أسلحتهم ويطلقون الرصاص في الهواء بشكل عشوائي ويأمرون جيراني بالعودة لبيوتهم.
كنت في الثامنة والعشرين من عمري بوسنية مسلمة أعيش مع والدي وشقيقي في حي جربافيتشا بشارع ليوبليانسكا الذي يمتد من نهر ميلياكا إلى طريق يحيط بالمدينة.
وكان حي جربافيتشا يمثل خط المواجهة فهو حي مختلط الاعراق سيقوم صرب البوسنة بالسيطرة عليه لتقسم العاصمة في بداية حصار يستمر 43 شهرا. وفرقت هذه الخطوة شمل أسرتي لمدة عام.
وقبل شهر مما سيحدث رأينا تجربة نهائية له حين وافق مسلمون وكروات بأغلبية ساحقة في استفتاء على استقلال البوسنة عن يوغوسلافيا الاشتراكية.
وقاطع الصرب الاقتراع وأقاموا متاريس أسفل جسر ليوبليانسكا على النهر وعزلوا جربافيتشا عن بقية المدينة ثم انسحبوا بشكل مؤقت.
وجربافيتشا حي مختلط يعيش فيه الصرب والكروات والمسلمون وبينهم عدد من الضباط في الجيش اليوغوسلافي الذي يهيمن عليه الصرب في بلد كانت تتفكك أوصاله.
لم يدر بخلدنا ان التوتر الذي كان يتصاعد سينتهي بحرب ـ ليس في سراييفو وحدها وهي المدينة التي احبها لتاريخها المتعدد الثقافات وتنوعها ودفء سكانها. لم يكن السؤال عن العرق مطروحا. ولكنه أضحى في النهاية المحرك الرئيسي للانقسام.
وفي الخامس من ابريل اختفى المسلحون وخلت الشوارع من المارة وأفادت تقارير صحافية بأن الصرب اقاموا متاريس عند الجسر مرة أخرى وان محتجين سلميين يتجهون صوبهم. وسمعت اصوات متقطعة لطلقات بنادق آلية. وأمسكت بمنظار صغير يستخدم في مسارح قاعات الاوبرا ونظرت من بين الستائر لأرى مسلحين يضعان الشارة البيضاء للميليشيات الصربية يجريان وغابا عن الانظار داخل حديقة فيلا أمام منزلي. وبعد دقائق وافتنا تقارير تلفزيونية بمقتل امرأتين كانتا بين المحتجين بالرصاص عند الجسر على بعد مائة متر من حيث اقف. تملكني الخوف وحتى يومنا هذا اعتقد ان الرجلين اللذين شاهدتهما هما الجناة. توقفت شاحنة صغيرة تحمل شارة الجيش اليوغوسلافي وهللنا فرحين معتقدين ان الجنود جاءوا لمساعدتنا.
ولكن بعد ساعات اتصلت امي بجارة ابلغتها «أفرغت (السيارة) أسلحة وذخائر واعطتها للصرب».
ودارت رحى الحرب.
اقترب دوي اطلاق النار واحتمينا داخل المنزل. وجلس شقيقي الذي اتم عامه السابع والعشرين قبل ايام في غرفته يتابع التلفزيون الذي توقف فجأة عن العمل بعد ان إصابته رصاصة كان يمكن ان تقتل اخي بكل سهولة.
وفررنا لمنزل احد الجيران بعيدا عن الشارع الرئيسي واتذكر مشهد أبي وهو يدفع امامه خزانة ملابس لسد الباب الأمامي.
وفي الإذاعة نفى ميلوتين كوكانياتش من الجيش اليوغوسلافي ان الجيش متورط في إطلاق النار فاتصلت بالإذاعة لتعرف المدينة ما جرى في الشارع الذي اقطنه. وسأل المذيع كوكانياتش عن رده فقال «لا توجد قوات من الجيش اليوغوسلافي في ليوبليانسكا». وانتابني فجأة شعور بالضياع وقضينا ليلتنا ونحن نترقب الاسوأ.
ويعتبر اليوم التالي السادس من ابريل البداية الرسمية للحرب وحين عدنا إلى منزلنا اكتشفنا تحطم النوافذ ووجدنا الزجاج وقد تناثر في كل مكان.
قررنا الانضمام لاحتجاج سلمي أمام البرلمان يجمع بين سكان سراييفو من الصرب والكروات والمسلمين للدعوة لأعمال العقل.
ومع اقترابنا قابلنا اشخاصا يركضون عائدين. وصرخ احدهم «يطلقون النار على المحتجين من هوليداي ان» في إشارة للفندق الموجود قبالة مبنى البرلمان. فركضنا عائدين لمنزلنا. واذكر انني رأيت جارا ثملا يمشي مترنحا وهو يلوح بمسدس ويصرخ متحديا القوميين الصرب.
دوت أصوات إطلاق الرصاص ثم ران السكون وحين نظرت من النافذة في وقت لاحق رأيت بقعة دماء على الأرض حيث كان الرجل يقف، كان مسلما والشخص الوحيد الذي جرؤ على مساعدته صربي نقله عبر المتاريس للمستشفى. وقتل الاثنان في غمار الحرب.
في السابع من ابريل تسللت وشقيقي بين المنازل وعبر الافنية الخلفية وصولا للجسر التالي عبر نهر ميلياكا وسعدنا حين تمكنا من بلوغ قطاع اخر في المدينة كنت قد عملت به في معهد تابع للدولة قبل ان تنشب الحرب.
ومكث والدانا في الحي ورأيناهم مرات معدودة أخرى خلال الأشهر التالية إلى ان عزل حي جربافيتشا كلية عن بقية سراييفو في مايو.
وعاش والداي على ثمار البرقوق من الحدائق في شارعنا ثم المعونات والغذاء الذي اقتسمه معهما جيراننا من الصرب. لم يسمح لهما بالتسوق في سوق جربافيتشا.
ولم أر والديّ مرة أخرى إلا بعد عام في أعقاب أشهر من المفاوضات الشاقة مع أربعة أطراف تسيطر على المدينة هي القوات الصربية والجيش البوسني والكروات وقوة شرطة خاصة في البوسنة.
وسمح لهما بمغادرة الحي مقابل خروج صربيين أرادا الهروب من سراييفو.
تتبعت الصربيين بنفسي وكنت قد اقترحت هذه المقايضة. وعبر والداي الجسر في 13 مايو 1993 ولم استطع التعرف على والدتي بعدما فقدت 25 كيلوغراما من وزنها وبدأ الشيب يدب في شعرها. ولم تبتسم إلا بعد ثلاثة ايام بعدما ذهبت لمصفف الشعر.
واستمرت الحرب عامين ونصف العام بعد ذلك استخدمت خلالها القوات الصربية مدفعية الجيش اليوغوسلافي وسيطرت على مساحات شاسعة في البوسنة. وقاتل المسلمون والكروات ضد الصرب وضد بعضهما البعض. وسقط نحو 100 ألف قتيل في الحرب من بينهم أكثر من 11 ألفا من سكان سراييفو سواء برصاص قناصة او جراء قصف من فوق قمم الجبال التي تحيط بالمدينة.
وأضحت سراييفو التي كنت أعرفها في شبابي مجرد اسطورة غابرة بالنسبة لمحبيها. ورممت المباني لكن المدينة تغيرت واشعر أحيانا بالغربة فيها.
لكنني أدرك ان مدنا مثل سراييفو تحمل روحا صامدة وستعود سيرتها الأولى مرة أخرى.. حين نتصالح مع ماضينا.