Note: English translation is not 100% accurate
مشروع السعادة..هل يقبل التنفيذ ؟!
18 نوفمبر 2013
المصدر : الأنباء




دانيا شومان - أميرة عزام
لا يمكن لأحد أن يحدد وبشكل دقيق مفهوم السعادة، فالسعادة كمفهوم وكمصطلح تعتبر نسبية، تختلف من شخص لآخر، فلكل إنسان رؤيته الخاصة وأحلامه التي تختلف عن أحلام ملايين البشر، هناك من يرى السعادة في البقاء مع الأسرة ويرى أن الجو الأسري هو المعقل الرئيسي لها، هناك من يرى أن السفر هو طريقها، في حين يرى آخرون ان المال يجلبها، وغيرهم يرون أن السعادة لا تأتي إلا من الحب، فتتنوع الرؤى والأحلام وتختلف باختلاف الشخص، عمره وثقافته ووضعه الاجتماعي، من خلال هذه الاستطلاع عرف كل ممن التقينا بهم السعادة من وجهة نظره، وتبعا لأحلامه:
تختصر منال. ك (22) عاما مفهوم السعادة في أحلامها التي تريد تحقيقها وتقول: «كل وقت يكون للشخص حلم ما يكون هو هدفه الذي يسعى لتحقيقه ليسعده، فأنا مثلا أريد أن أتخرج وأتوظف وهذه بعض من أحلامي التي أريد أن أنجزها وأصل إليها لأحقق سعادتي، طبعا بعدها أفكر بالزواج وتكوين أسرة وهذا حلم آخر أسعى لتحقيقه وأعتقد أنه سيكون طريقا للسعادة بالنسبة لي».
أما جمانة (18 عاما) فترى أن أعظم مفاهيم السعادة بالنسبة لها هو أن تكون بين أسرتها وتقول: «أن أكون بين والدي ووالدتي أطال الله في عمريهما هو قمة السعادة بالنسبة لي، جو البيت بالنسبة لي والحميمية التي استشعرها تمثل قمة السعادة، لأنها تحمل كل المفاهيم التي يبحث عنها أي شخص، ففي المنزل الأمان والثقة والراحة والأهم أنه وبتواجدك في المنزل كشخص تصل رحمك وتصبح أقرب إلى السعادة».
أما خالد العنزي: موظف في القطاع الخاص ويبلغ من العمر 32 عاما فله رؤية شخصية أخرى إذ إنه يربط السعادة بمفهوم تحقيق أحلامه العملية والعلمية، قائلا: «السعادة هي أن أحقق ذاتي وأن أحقق أحلامي وببساطة أن استمر بأداء عملي حتى أمتلك الخبرة الكافية وبعدها أقوم بتأسيس مشروعي الخاص وشركتي الخاصة وأن أحقق ذاتي أكثر كشخص، هذا على المستوى العملي، أما على المستوى العلمي فأنا أنوي أن أنجز شهادة الماجستير وبعدها الدكتوراه وأن أحقق طموحاتي كلها ما دمت شابا، وأن أنجز مجدا شخصيا لي ولأبنائي وأن أكون نفسي بنفسي، فالسعادة هي أن تحقق شيئا لنفسك وبالتالي لأسرتك وبالتالي لوطنك، وهنا يكون مفهومهما كما أعرفها وكما أريدها، فعندما أحقق كل خطوة إلى الأمام أشعر بالسعادة وأشعر أنني حققت شيئا لنفسي وأسرتي ووطني». بدورها ترى أم هادي (44 عاما) متقاعدة وأم لخمسة أولاد أن السعادة لا تتحقق إلا برؤيتها لأبنائها سعداء وتقول: «سعادة الأم، اي أم في العالم لا يمكن أن تعثر عليها الا في عيون ابنائها، سعادتي تتحقق عندما أرى أولادي يكبرون ويتخرجون ويؤسسون أسرا ويكونون سعداء، فسعادتي من سعادتهم، ولا يمكن لأي أم أن تشعر بالسعادة إلا في عيون أبنائها، السعادة باختصار شديد هي أن يكون أبناؤك بخير وصحة وعافية، وعلى الجانب الآخر أيضا السعادة تأتي في أن يرى الشخص والديه سعيدين، وأنا أرى السعادة من وجهين: أبنائي من جهة ووالداي من جهة أخرى، هنا وبينهما تكون قمة السعادة».من جانبها تقدم هدى.ط (35 عاما) مفهوما مختلفا للسعادة وتقول: «لكل وقت ولكل موقف ولكل عمر ولكل حدث سعادته التي تختلف، بحيث إن السعادة ليست مطلقة، فهناك سعادة أن تكون بخير وعافية بعد المرض، وسعادة أن تكون فرحا بعد حالة حزن، وسعادة وصول المولود الأول لك، وكل الأمور الطيبة في الدنيا أراها مبعث سعادة، الفرح وجمعة الأهل ولقاء صديق وابتسامات الأبناء وأيام رمضان وأيام العيد والعطل كلها أمور تبعث على السعادة». اما سلوى. ف (24 عاما) فتقول: «السعادة هي أن تقترب من إنسانيتك أكثر في جميع مراحل حياتك وتصرفاتك، فكلما كنت شخصا طيبا كنت أكثر الناس سعادة، السعادة هي أن تكون إنسانا ومن هنا يكون مبعث السعادة الحقيقة». اسقصت «الأنباء» آراء مجموعة من المواطنين حول ماهية السعادة والأسباب والطرق التي تجعل الانسان سعيدا ، ففي البداية تقول نادية المطيري إن الانسان يحصل على السعادة بالاهتمام بالروح وأن يكون دائما بحالة سلام داخلي مع النفس، أما دارين السعيد فترى انها حالة من المشاعر تهيمن على الإنسان وتستمر هذه الحالة مادام مستمرا بمسبباتها وهي ليست هدفا يحققه إنما حالة تعتريه حين يحقق هدفا، وتضيف أن السعادة هي قرار ينبع من صاحبه النور المشع، مهما كانت ظروفه أو تاريخ حياته الذي مر به فهو قادر على إنارة سعادته بلا شك.فما ان يقرر المرء أن يكون سعيدا حتى تتجسد أمامه الاسباب، فنقطة البداية هي «القرار »، والاهتمام بالذات والجسد والروح والعلاقات والمال والرفاهية يأتي بتلقائية، بمعنى أن الإنسان حين يشعر بالفرح يصبح أكثر قدرة على رعاية كل جوانب حياته المختلفة، بل ويفيض بسعادته وتأثيره على المحيطين به. وعلى الجانب الآخر، يؤكد طارق العبيد أن السعادة هي شعور يمتزج فيه مثلث الجسم والروح والنفس فالشعور ناتج عن بيئة إيجابية محيطة وايضا ناتج عن حدث ما هو المحفز لذلك الشعور، مضيفا ان سعادة الشخص هي ناتج توافق ذلك المثلث، وكل فرد يختلف عن الآخر في أين يجد السعادة فهناك من يجدها في تحقيق اهدافه وتواصله مع الآخرين وفي مزاولة هوياته سواء الرسم او التأمل او الرياضة وكذلك بالتغيير المستمر لنمط حياته بالإضافة إلى النوم العميق والصحة الجيدة وتواصله مع مجتمعه ومع الطبيعة. ومن جانبه، يرى أبو جراح أن للسعادة أسرارا من يدركها ويعمل بها يسعد بحياته، وهي عدم الشكوى لما يصيب الإنسان وكلما تعرض لمكروه يردد دائما «الحمد لله» وهو شاعر بها، لأن متلقي الشكوى هما فئتان من البشر لا ثالث لهما:
إما حبيب يسوءه ما يحدث، أو عدو حاسد يفرح ويشمت بما حدث، ولذا ينصح أبو جراح بالامتناع نهائيا عن الشكوى والقوة في مواجهة المشاكل مع الناس، لأن الوحيد الذي بيده حل كل المشاكل هو الخالق سبحانه ، وهو سر من اسرار السعادة الذي يضمن الراحة النفسية مدى الحياة حتى وإن كانت مغمرة بالمشاكل، أما ابو ماجد فيجد السعادة عند مساعدة محتاج حين يكون قادرا على مساعدته فيشعر بسعادة لا توصف عندما يراه مبتهجا ومسرورا بعد حل مشكلته.
مـن جهتهـا، ترى عالية المشـري أن السعـادة شعور طــاغ يمنـح الانسـان اكتفاء وحبــا لكــل الناس ينبع من داخل الشخص ويطغى علـى كـل ما حـوله فيجعل كل ما يحيط به جميلا ومليئا بالحيوية، وهذا الشعور ليست له علاقة بمادة او مـال او ذهب او غير ذلك، وقـد يسعـد بعض الناس عن طريق عمل خير يبذلون فيه مجهودا شاقا ومتعبا ولكن شعورهم بالسعادة يجعلهم يبذلون المزيد لتحقيق اهدافهم.وربما يسعد بعض الناس لرؤية شخص عزيز عليهم بينما يسعد آخرون عند تلقي هدية بسيطة او الشعور بالأمان والحنان.
أكدا أن هناك منظومة بين الروح والسلوك تصنع الفرح والسرور
استشاريان نفسيان لـ «الأنباء»: السلوك الإيجابي وقبول الآخرين وصلة الأرحام طريق السعادة
أميرة عزام
تختلف معايير السعادة من شخص لآخر، فالجائع يجد سعادته في لقمة خبز، والساهر سعادته في نومة هادئة، والسعادة الوقتية هي التي يحصل علها الانسان في الدنيا لأن السعادة الدائمة هي فقط في الدار الآخرة (الجنة)، ولتحقيق أكبر قدر من نصيب السعادة الدنيوية، استطلعت «الأنباء» آراء استشاريين نفسيين لمعرفة كيفية الحصول عليها.
في البداية يؤكد الاستشاري النفساني بمركز السمو للاستشارات النفسية د.سامي البلهان أن الجسد هو الكائن العضوي بينما الذات هي المشاعر والعواطف والقيم والأفكار، وأن السلوك الكلي للإنسان يبدأ بالأفكار وهي تتحول لاحقا إلى مشاعر وهي تؤثر على الجسد والذي بدوره يتفاعل بالنبضات والضغط والهرمونات وغيرها، ومنها تصرفات وفعل وسلوك وهذا هو الإنسان الذي يظهر في سلوكه الذي يعكس أفكاره.ويوضح البلهان أن ما يأتي بالأفكار هي الروح وهي الحيوية الداخلية أو الطاقة الكهربائية للإنسان، فإن لم ينتبه لها أثرت على أعضائه.ويجمع البلهان المنظومة الخماسية للسعادة في: الروح والفكرة والمشاعر والتحولات العضوية والسلوك والتصرف ويضيف: أن الروح إما أن تكون علوية وهي المقتربة من الله والسليمة الإيجابية، أو أن تكون دنيوية وهي المضطربة والسلبية. ومن جهة أخرى، ويشير البلهان إلى أن التعارض بين الأفكار يحدث التنافر، ولكن مبدأ القيم والتسامح يخلق المودة، ومثال ذلك عند نصح شخص لآخر ولم يقبل نصحه فهناك تنافر بين الطرفين، ولكن عند توسيع الرؤيا وقبول الآخرين على علاتهم (تكاملا وليس تفاضلا) لأنه لا يوجد إنسان كامل والدليل على ذلك الصحابة فكل منهم له رأيه المختلف عن الآخر ولكن قبولهم لبعضهم البعض هو ما يصنع الألفة والسعادة بينهم. من جانبه، يوضح الاستشاري النفسي ومدرب التنمية البشرية فيصل الجاسم أن سعادة الإنسان تكمن في تعزيز صلته بخالقه ولكي يشعر بطعم السعادة فعليه أولا أن يكون متسامحا مع نفسه والآخرين فإذا تقبل الشخص نفسه وغير من أفكاره وطور مهاراته سيصل إلى مرحلة أقرب إلى السمو، وأنه لكي يتمتع الإنسان بكنز من العلاقات فعليه تغيير السلوكيات التي تنفر الآخرين منه وكذلك صلة الأرحام التي قلت بازدياد تطبيقات التواصل الالكترونية التي تكتفي الرسائل والصور والذي من شأنه بناء حواجز بين الأنفس، فنرى الأول يعاتب والآخر يلوم ـ وبالتالي تنقطع مهارات التواصل، وينصح الجاسم بإزالة الجليد عن طريق مصارحة النفس بأنها سعيدة ولكنها لا تستمتع بذلك، ولكي تحظى النفس بالسعادة والحياة الاستثنائية الإيجابية يقدم الجاسم الخطوات التالية لتحقيق السعادة:
٭ تعزيز الصلة بالوالدين ثم الأقرباء وغيرهم.
٭ إزالة المشاعر السلبية تجاه الآخرين والتواصل في جميع مناسباتهم.
٭ تحقيق الذات بأن يجعل الشخص لنفسه شأنا في خدمة المجتمع.
٭ تنمية المهارات وتطويرها باستمرار.
يوسف: السعادة ليست حكراً على أحد.. والتقي هو السعيد
يقول الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف وعضو رابطة العلماء السوريين ياسر يوسف أنه إذا سلمنا بأن القسمة ثلاثية في منظومة السعادة واعتبرنا السعادة متنازعة بين الجسد والروح والسلوك ومتوزعة عليها، فإننا يجب أن نلحظ في تقييمها وتشخيصها حالة وآراء كل الفئات والجماعات المعنية بهذه المسألة حتى نصل إلى فكرة جامعة ورأي صائب مؤلف من وجهات نظر عدة.ويؤكد يوسف أن السعادة ليست حكرا على شخص دون آخر، ولا يدركها البعض وتفوت البعض الآخر، وإن كان لكل وجهة نظره في تكييف السعادة وطريقته الخاصة به في تحصيلها وحيازتها، فذاك يراها في الراحة الجسدية وثان في فاعلية الروح ورقيها الدائم وثالث يراها مزيجا بين راحتيهما. فلعل الأوفق من منظار الشرع وجهة النظر الأخيرة إلى حد ما، لكن ليس باطراد، ذلك أن متعة الجسد لا تسعد إن تكدرت الروح وتلوثت بأوضار المادة وتبعات اللذائذ غير المضبوطة والمشروعة، وإن هي أسعدت لم يكتب لها الدوام والاستمرار في الغالب، وسعادة الروح قد يزهد فيها ما يلقاه صاحبها من تخلف معيشي أو علمي او ثقافي أو اجتماعي. وتبقى هذه الأحكام ظنية أو أغلبية وقد يكون لها شذوذ.
ويضيف يوسف أن السعادة تتكون في أفضل حالاتها من عنصري الجسد والروح وإن كانت الأخيرة تلعب الدور الأكبر والأهم في العملية، ويوضح أنه لا يجوز إهمال الجسد على حساب الروح ولا تعطيل الروح على حساب الجسد، فهما صنوان لا يفترقان وعنصران يكمل بعضهما بعضا، وإذا تأملنا في الآثار التي تتركها تعاسة الروح وبؤس النفس نجدها آثارا مدمرة في حياة الفرد والأسرة والمجتمع، فهبوط الروح إلى أدنى مستوياتها يكسب صاحبها الشقاء والكسل والخمول وهو يؤدي في احسن الحالات إلى التقوقع على النفس والجلوس في البيت ورفض العمل والانخراط في صفوف الناس وانتاج ما ينفع الأمة ولربما أودى إلى الانتحار وإزهاق الروح للتخلص من حالة الفراغ والخواء الروحي، وهو التفسير الوحيد لما نقرؤه في الصحف عن حالات الانتحار الفردية والجماعية في العالم من حولنا، وهو السبب الذي كان يقف وراء انتحار الممثلة الأميركية الشهيرة مارلين مونرو التي كانت تركت ـ على ما يروى ـ ورقة قرب رأسها قبيل انتحارها ذكرت فيها انها حصلت كل الأسباب التي كانت تظنها ستأتي بالسعادة عليها من مال وجاه وشهرة ولكنها لم تعثر عليها ولم تظفر بها بل ما زادتها إلا تعاسة وما أكسبتها إلا الشقاء، وختمت رسالتها بالقول: «وها أنا أنتحر غير آسفة ولا حزينة على هذه الدنيا».
ويلخص لنا المسألة أحد الشعراء فيقول:
ولست أرى السعادة جمع مال
ولكن التقي هو السعيد
ويختتم يوسف حديثه قائلا: التقي هو السعيد والتقوى هي السبيل الأعظم لإدراك السعادة مع ملاحظة حاجات الجسد النافعة والمشروعة، فتلك هي السعادة وذاك هو السعيد.