Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
ماذا يجري في جنوب السودان الدولة الوليدة التي فجرتها «القبائل»؟!
17 يناير 2014
المصدر : بيروت
دولة جنوب السودان التي أعلنت دولة مستقلة منذ عامين بعد انفصالها عن السودان، هي دولة فتية طرية العود كانت كلفتها باهظة بعد حروب دامية مع الشمال استمرت عشرين عاما، خلفت مئات الآلاف من الضحايا. هذه الدولة انفجرت باكرا ومن الداخل بعدما فشلت تجربة التعايش بين نظام القبيلة القوية ومشروع الدولة الضعيفة، وترجم الصدام بينهما حربا أهلية تقود البلاد الى الفوضى والمجهول.
منذ إعلان استقلالها في التاسع من يوليو 2011، لم تستطع دولة جنوب السودان الخروج من دوامة الصراعات التي ترهق كاهلها. وما تشهده اليوم من صراعات بين الرئيس سيلفاكير ونائبه السابق رياك مشار بات يهدد مستقبل هذه الدولة الفتية ومن ورائها أمن دول الجوار (دولة جنوب السودان تنقسم الى عشر ولايات، وتتمتع بحدود واسعة تمتد على أكثر من 5000 كلم مع 6 دول هي إثيوبيا وكينيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديموقراطية وجمهورية افريقيا الوسطى وشمال السودان. وتمتاز بأنها منطقة غنية بالموارد الطبيعية، ويعتبر البترول من أهم الصادرات حيث تتركز فيها ما نسبته 85% من احتياطي السودان السابق، ولكن مصدر الدخل الرئيسي لأغلب السكان هو الزراعة).
وراء نشوب هذه الأزمة ودلالة توقيتها عوامل عدة أبرزها:
1 ـ الخلاف الإثني العرقي: كلا الرجلين يستند إلى قوة إثنية مؤثرة وكبيرة في الجيش الشعبي ـ جيش جنوب السودان ـ فمشار ينتمي لقبيلة «النوير» التي تعد ثانية قبائل جنوب السودان من حيث عدد السكان (20%) وهي من القبائل المحاربة شديدة المراس، فيما ينتمي الرئيس سلفاكير لقبيلة «الدينكا» وهي كبرى قبائل جنوب السودان بل القبائل الأفريقية من حيث عدد السكان (40%) ولعبت دورا كبيرا في الحرب الأهلية في السودان. وتاريخيا، هناك تنافس محتدم بين القبيلتين، ووجود القبيلة ترتب عليه عدة أمور سلبية أبرزها الولاء للقبيلة على حساب الدولة، وحدوث حالة من عدم الاستقرار السياسي عندما يتم تسييس الخلافات القبلية. وستظل المشكلة الإثنية من أخطر المشكلات التي تواجه قضية الاندماج القومي في هذه الدولة الوليدة.
2 ـ الخلافات الشخصية والنزاع على السلطة والزعامة بين سيلفاكير ورياك مشار. هناك اختلاف كبير بين الرجلين، سواء من حيث المؤهلات العلمية والأكاديمية أو من حيث الأفكار والطباع. فمشار أستاذ جامعي وإداري من طراز رفيع، ظل يدير دولاب الدولة منذ توقيع اتفاقية السلام، فضلا عن عمله رئيسا لمجلس تنسيق الولايات الجنوبية. تنقل من القيادة الميدانية إلى القيادة العليا باعتباره متعلما حاصلا على الدكتوراه في التخطيط الاستراتيجي من بريطانيا ومنظرا وقائدا لا يشق له غبار في معارك التفاوض بين الحركة والحكومة السودانية بسبب شخصيته التي تجمع بين الحكمة والحنكة والهدوء الشديد الذي يصل إلى درجة البرود، وهو يعتبر أنه أحق بقيادة البلاد. على عكس الرئيس سلفا كير الذي كان جنديا في استخبارات الجيش السوداني، ومقاتلا شرسا من الدرجة الأولى أثناء الحرب الأهلية، مما أهله للترقي لرتبة قائد في الجيش الشعبي لتحرير السودان، وجاءت به التوازنات القبلية إلى المنصب الأول في الحزب والدولة، وهو رجل عسكري صارم قليل الصبر على معالجة الملفات، وفي الغالب يحسم مشاكله مع الآخرين بالقوة التي تصل إلى استخدام السلاح في بعض الأحيان.
3 ـ افتقار الجنوب إلى الهوية المشتركة، فعلى رغم رفع القيادات الجنوبية الشعارات السياسية عنوانا للصراعات بينهم إلا أنهم لا يزالون قيادات قبلية اتفقت إبان التمرد ضد عدو مشترك هو الشمال وسرعان ما اهتز ترابطهم بعد انفصال الجنوب فبرزت مجددا الاصطفافات القبلية داخل قوات الجيش الشعبي. هذا الضعف في بناء الهوية الوطنية تفاقم بعد أن فشلت القيادات الجنوبية في التحول من الثورة إلى الدولة الوطنية الحديثة التي تحقق الوحدة الوطنية والتنمية المستقلة والعادلة. كما أن القبيلة بقيت الموقع الآمن الوحيد اجتماعيا الذي يلجأ إليه الفرد السوداني، إضافة الى مصدر النفوذ السياسي بسبب النظام الانتخابي القائم على الدوائر الجغرافية/ القبلية.
4 ـ الاختلاف على العلاقة مع الشمال، فبينما ترى مجموعة سلفاكير أن استقرار الجنوب مشروط باستقرار علاقته مع الشمال وبالتالي ضرورة تسوية الخلافات مع الشمال، واشتراع علاقة مستقرة تؤمن تدفق النفط عبر أنابيب وموانئ الشمال وتدفق السلع والخدمات بين البلدين تجنبا لحالة الانهيار الاقتصادي التي تواجهها الدولة، يرى الفريق الآخر مواصلة النضال بدعم التحالف مع الحركة الشعبية، قطاع الشمال.
5 ـ الاختلاف حول أبيي الغنية بالنفط حيث أجرى أبناء المنطقة في الحركة الشعبية والمصطفون الآن مع رياك مشار، استفتاء من طرف واحد لقبيلة دينكا نقوك قررت بموجبه ضم المنطقة إلى الجنوب، لكن سلفاكير رفض الاعتراف بنتيجة الاستفتاء باعتبارها غير قانونية وخارج برتوكول أبيي المتفق عليه بين حكومتي الشمال والجنوب، علاوة على أنها تؤجج التوتر بين البلدين في وقت يحاول فيه تنفيذ اتفاقية التعاون التي يراهن عليها في إنقاذ اقتصاد بلاده من الانهيار.
6 ـ العجز الاقتصادي والتنموي، إذ مع دخول الدولة الوليدة عامها الثالث، كانت الآمال بالازدهار الموعود من الموارد النفطية والمساعدات الدولية قد تبددت، فالخلافات النفطية بين جوبا والخرطوم من جهة وافتقار «أرض كوش» إلى البنية التحتية المناسبة للاستثمار، وعجز السلطات الجديدة عن حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن الفساد المستشري في أجهزة الحكم، جعلت الثروة الضخمة لـ «أرض اللبن والعسل» مجرد كلمات في نشيد مستمد من أساطير قديمة.
لا شك أن الأوضاع في جنوب السودان تعقدت لدرجة يصعب معها التنبؤ باحتمالات تطورها، ولكن في ظل معطيات التفاعل الآن والحرب التي تدور رحاها يمكن القول إن مستقبل جنوب السودان يتأرجح بين سيناريوهين:
الأول: احتمال التوصل إلى تسوية للصراع عبر الوساطات الدولية والإقليمية التي تقودها دول «الايفاد» بدعم من الاتحاد الافريقي والمدعومة بالمبعوث الأميركي ومبعوث الأمم المتحدة لدولتي السودان، وفق خارطة طريق محددة. ونجاح الوساطة يتعلق بقدرتها على إجلاس الطرفين على طاولة التفاوض والوصول إلى اتفاق يوقف إطلاق النار والتداعي الأمني الراهن، ثم التوافق على الأسس الدستورية للدولة والحزب وإجراءات تداول السلطة، وتوزيعها بتوازن بين الفاعليات ذات التكوين السياسي والقبلي، لأن القبيلة هي الرافعة الاجتماعية، والوقود العسكري للصراع السياسي. ويرجح هذا الاحتمال أن النزاع بين الطرفين ليس نزاعا عميقا، فهما يتقاربان في الهوية القبلية، وتتعلق الخصومة بتقاسم السلطة والثروة، ثم إن كلا منهما عاجز عن إقصاء خصمه.
الثاني: احتمال استمرار الصراع، وذلك إذا فشلت الوساطة في التقريب بين المتخاصمين، وفي هذه الحالة هناك احتمال إعلان الوصاية الدولية على دولة الجنوب، إذا صارت دولة فاشلة مثل الصومال، وانتداب المجتمع الدولي من يدير الشأن الجنوبي، ويحفظ الأمن بين المتقاتلين.