Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
ما بعد التمديد.. مثل ما قبله
7 نوفمبر 2014
المصدر : بيروت
التمديد ليس خيارا، إنه أمر واقع يعكس المأزق الذي يعيشه لبنان منذ أن انفجرت الحرب في سورية وحصل هذا الترابط الوثيق بين الأزمة المتفجرة هناك والأزمة المضبوطة هنا. والأسباب نفسها التي أدت الى التمديد الأول العام الماضي مازالت قائمة وسارية المفعول، وكان من المفترض و«المنطقي» أن يسري التمديد أيضا على رئاسة الجمهورية وأن يكون خيار التمديد للرئيس ميشال سليمان هو «الأنسب والأفضل» عندما حشر الوضع قبل ستة أشهر كما الآن بين خياري «التمديد أو الفراغ». ولكن التمديد الرئاسي لم يحصل لعدة أسباب «محلية» مع أن المناخ الإقليمي الدولي كان متقبلا للفكرة. وربما يكون خطأ سليمان في فتح مشكلة ومواجهة مع حزب الله واحدا من هذه الأسباب، وهو ما دفع بالحزب الى أن يضع فيتو كبيرا على التمديد ويجاري العماد عون في موقفه وتتعزز القناعة لديه بسقوط الرهان على ميشال سليمان وبعدم تكرار تجربة وسيناريو العام 2008.
عدم حصول التمديد الرئاسي أعطى انطباعا بأن المسيحيين باتوا الحلقة الأضعف في النظام اللبناني، خصوصا أن خسارتهم لموقع رئاسة الجمهورية جاءت بعد قليل على خسارتهم لقانون الانتخابات الجديد، وحصول التمديد النيابي كرس الانطباع والاعتقاد بأن التفاهم السني الشيعي بات في أساس المعادلة السياسية والوطنية. فما تتفق عليه هذه الثنائية يتحقق على أرض الواقع كما حصل بداية العام مع تشكيل حكومة سلام، وكما يحصل الآن في نهاية العام مع التمديد النيابي، وما لا يتفق عليه المكونان «السني والشيعي» لا يتحقق ولا يمشي كما حصل في موضوع رئاسة الجمهورية التي «شغرت» ليس فقط بسبب الخلاف والتنافس المسيحي. هذا العامل موجود ومؤثر ولكنه ليس الأهم، وهناك العامل الأكثر تأثيرا المتمثل في الخلاف والتنافس بين المستقبل وحزب الله امتدادا وترجمة لما هو حاصل في المنطقة من صراع اقليمي.
التمديد لم يكن سببه الوضع الأمني وتعذر إجراء الانتخابات في ظله. فالوضع الأمني في لبنان أفضل من الوضع الأمني في بلدان أخرى (سورية والعراق ومصر) جرت فيها انتخابات رئاسية ونيابية. والوضع الأمني الذي يتيح إقامة وتنظيم مجالس عاشورائية على امتداد الخارطة اللبنانية وفي مناطق ساخنة ومهددة، يتيح إجراء وتنظيم انتخابات نيابية، والتمديد لم يحصل بسبب عدم وجود رئيس الجمهورية، قبل عام كان يوجد رئيس للجمهورية ولم تحصل الانتخابات وحصل التمديد، والتمديد النيابي حصل بسبب طغيان الأزمة السورية على الوضع اللبناني وحصول تقاطع سني ـ شيعي على إبقاء الوضع اللبناني كما هو وعدم إحداث أي تغيير قبل جلاء الوضع في سورية. إنه تقاطع مصلحي ظرفي على عدم المس بالتوازنات الحالية بين المستقبل الذي يحاذر الدخول في اختبار قوة في هذا الظرف الدقيق الذي تجتازه الساحة السنية، وحزب الله الذي يحاذر الدخول في مخاطر تغييرات سياسية داخلية في هذا الظرف الإقليمي الذي فرض عليه قتالا عسكريا في سورية من خارج جدول أعماله.
أما وقد حصل التمديد، لم يعد مهما البحث في أسبابه وتفاصيله وإنما التعاطي مع نتائجه ومفاعيله. في حسابات الربح والخسارة نكتفي بالمركزين الأول والثاني: الرئيس نبيه بري هو الرابح الأول عمليا (استمراره رئيسا للمجلس لولاية كاملة ليدخل موسوعة غينيس كصاحب رقم قياسي في تولي رئاسة مجلس النواب لمدة ٢٥ سنة متواصلة) وسياسيا (نجاحه في تمرير التمديد بأقل ضجة ممكنة وسط تعقيدات الوضع السياسي راهنا). القوات اللبنانية ربحت سياسيا حتى مع قرار غير شعبي، إذ يكفيها أنها أعطيت امتياز تأمين الميثاقية والغطاء المسيحي وجرى الاعتراف بحيثية سياسية وشعبية متقدمة لها وموازية لحيثية التيار الوطني الحر، وبما يكرس ثنائية على الساحة المسيحية مع وجود قطبين ومركزي جذب واستقطاب: عون الذي عوض بموقف الكتائب خروج فرنجية عنه، وجعجع الذي أسعفه موقف فرنجية في رد التهمة عنه بأنه خرج عن الإجماع المسيحي.
أما ما بعد التمديد، فإنه مثل ما قبله، إنه تمديد للوضع القائم بكل ما فيه من أزمات وخلافات وتوازنات وتحالفات. لا شيء سيتغير في جوهر الأمور وعمقها، وإذا حصل تغيير ففي المناخات السياسية وأجواء بعض العلاقات هبوطا أو صعودا: علاقة عون مع بري أو علاقة الكتائب مع المستقبل الى فتور، وعلاقة بري مع القوات الى انتعاش، والبعد التحالفي في علاقة القوات مع المستقبل يبرز أكثر.
مرحلة ما بعد التمديد يحكمها عنوانان: انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ووضع قانون جديد للانتخابات، ولكن الاستحقاق الرئاسي باق في مكانه حتى إشعار آخر ولا يقدم فيه التمديد أو يؤخر. والقانون الانتخابي يظل عالقا ولا يقدم فيه إحياء بري للجنة النيابية المكلفة وضع هذا القانون بعد تجربة مخيبة العام الماضي، ومن غير المتوقع أن تكون التجربة الآن أفضل وستدور المناقشات والمداولات دورة جديدة لتعود الى نقطة الصفر مجددا. ولذلك تبدو المخاوف من أن يكون التمديد النيابي الطويل تمديدا للأزمة الرئاسية والسياسية مخاوف مشروعة ومبررة.